القيادة الأكاديمية.. حين تصبح الاستراتيجية عملاً.

قلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ جامعي سابق – جامعة أم القرى.
مستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة.
خلال عملي الأكاديمي في جامعة أم القرى، توليت إدارة المكتب التنفيذي للخطة المستقبلية للجامعات في المملكة العربية السعودية، حيث شاركنا في إعداد الخطط الاستراتيجية والأهداف المستقبلية، وكنا نجتمع في مقر وزارة التعليم العالي مع ممثلي الجامعات السعودية لمناقشة قضايا التعليم الجامعي ومستقبله.
ومنذ تلك التجربة ترسخت لدي قناعة ما زلت أؤمن بها: أن الخطة الاستراتيجية، مهما كانت جيدة، لا تكفي وحدها لنجاح المؤسسة فهي تحتاج إلى قيادة أكاديمية قادرة على تحويلها من وثيقة إلى عمل ونتائج..
إذ تغيرت طبيعة العمل الجامعي كثيراً خلال السنوات الأخيرة. فلم تعد مهمة القائد الأكاديمي تقتصر على إدارة الشؤون العلمية أو متابعة الأعمال اليومية، بل أصبحت تشمل تحديد الأولويات، واتخاذ القرارات، وإدارة الموارد، وقيادة التغيير، ومتابعة ما تحققه المؤسسة من نتائج.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مفهوم أكثر وضوحاً للقيادة الأكاديمية التنفيذية؛ قيادة تجمع بين الفهم الأكاديمي والقدرة على إدارة العمل وتحويل الخطط إلى نتائج يمكن متابعتها وتقييمها.
فالجامعات تعمل اليوم في بيئة تتغير بسرعة، سواء بسبب التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، أو تغير احتياجات سوق العمل، أو ارتفاع توقعات المجتمع من مؤسسات التعليم العالي. ولذلك لم تعد الخبرة العلمية وحدها كافية لتولي المسؤولية القيادية، كما أن الإدارة بمعناها التقليدي لا تستطيع وحدها التعامل مع هذه المتغيرات.
القائد الأكاديمي يحتاج إلى أن يفهم الواقع، ويحدد ما الذي ينبغي أن تكون له الأولوية، ثم يتابع كيف تتحول هذه الأولويات إلى عمل فعلي. وهنا يظهر الفرق بين وجود خطة جيدة وبين القدرة على تنفيذها.
فكثير من الخطط الاستراتيجية تبدو متماسكة عند إعدادها، لكن التحدي يبدأ بعد اعتمادها: من المسؤول عن التنفيذ؟ ما الموارد المطلوبة؟ ؟ كيف نعرف أن العمل يسير في الاتجاه الصحيح؟ ومتى نقرر أن المبادرة تحتاج إلى تعديل؟
لهذا فإن التنفيذ ليس مرحلة منفصلة عن التخطيط، بل جزء أساسي منه. وكل مبادرة جادة تحتاج إلى مسؤول واضح، وموارد مناسبة، ومدة زمنية محددة، ومؤشرات تساعد على معرفة مستوى التقدم. والأهم أن تتم مراجعة النتائج بصورة منتظمة، لا أن تنتظر المؤسسة نهاية الخطة لتكتشف ما إذا كانت قد حققت ما أرادته.
وهنا تبرز أهمية البيانات في العمل القيادي. فالبيانات لا تقدم وحدها الإجابة عن كل شيء، لكنها تساعد على رؤية الأداء بصورة أكثر دقة، وتقلل الاعتماد على الانطباعات الشخصية. كما أن المؤشرات لا ينبغي أن تتحول إلى غاية في حد ذاتها لأن قيمتها الحقيقية تظهر عندما تساعد القيادة على فهم ما يحدث واتخاذ قرار أفضل.
ومن الجوانب التي تستحق اهتماماً أكبر بناء القيادات داخل المؤسسة. فالجامعة التي تعتمد على شخص واحد في إدارة ملفاتها المهمة تظل معرضة للتعثر عند تغير الأشخاص. أما تطوير القيادات الوسطى، وتمكين الكفاءات، ونقل الخبرة، فيساعد على بناء قدرة مؤسسية تستمر مع الوقت.
كما أن تقييم الأداء الجامعي يحتاج إلى النظر إلى النتائج، وليس فقط إلى حجم النشاط. فقد تنفذ المؤسسة برامج وفعاليات ومشروعات كثيرة، لكن السؤال الأهم هو: ماذا تغير نتيجة ذلك؟ وهل تحسنت جودة التعليم؟ وهل تطور البحث العلمي؟ وهل استفاد الطلبة والمجتمع من هذه الجهود؟
هذا التحول من متابعة النشاط إلى فهم النتيجة يساعد الجامعات على استخدام مواردها بصورة أفضل، وعلى التمييز بين المبادرات التي تحقق قيمة حقيقية وتلك التي تحتاج إلى إعادة نظر.
في النهاية، لا تحتاج الجامعات إلى مزيد من الخطط بقدر حاجتها إلى تحسين الطريقة التي تتحول بها الخطط إلى عمل.
والقيادة الأكاديمية التنفيذية ليست مسمى جديداً بقدر ما هي ممارسة تقوم على وضوح الأولويات، وجودة القرار، وحسن التنفيذ، ومراجعة النتائج.
فالقائد الأكاديمي الناجح اليوم ليس من يضع الخطة فقط، وإنما من يستطيع أن يجعلها قابلة للتنفيذ، وأن يعرف من خلال النتائج ما الذي نجح، وما الذي يحتاج إلى تطوير، وما الذي ينبغي التوقف عنه.
وهذه ربما هي الخطوة الأهم في تطوير العمل الجامعي: أن تنتقل المؤسسة من الانشغال بما تفعله إلى الاهتمام بما تحققه.



