وجه آخر للمهنة

كاتبة رأي: ايمان المغربي
الموهبة قد تكون بداية المهنة لكن المهنة تحتاج إلى دراسة ومعرفة وممارسة وتطوير. فقد يكتشف الإنسان قدرة معينة في نفسه ثم يبدأ رحلة طويلة يتعلم فيها ويتمرن ويكتسب الخبرة حتى تصبح هذه القدرة مهارة يستطيع أن يقدم من خلالها عملاً يعرف قيمته ومسؤوليته.
وأرى أن الإنسان في رحلته المهنية لا يحتاج إلى امتلاك الأدوات فقط بل يحتاج إلى معرفة متى يستخدم كل أداة وكيف يوظفها. فامتلاك الأدوات يمنح الإنسان الإمكانية أما حسن استخدامها فيحتاج إلى فهم وتجربة ووعي.
وتختلف قدرات الناس من شخص إلى آخر. فهناك من يبدع في الكتابة وهناك من يتميز في الحديث والتواصل وهناك من يجد نفسه في التخطيط والتنظيم وهناك من يفضل العمل خلف الكواليس. وقد تجتمع عدة مهارات في شخص واحد. وهذا الاختلاف لا يجعل مجالاً أهم من مجال وإنما يوضح تنوع القدرات وتعدد الأدوار.
وقد يكتشف الإنسان مع الوقت أن لديه جانباً قوياً وجانباً آخر يحتاج إلى مزيد من العمل. وهذه ليست نقطة ضعف وإنما مساحة طبيعية للنمو. فالإنسان لا يبدأ تجربته وهو يعرف كل شيء ولا يصل إلى مرحلة يتوقف فيها عن التعلم.
والدراسة الأكاديمية تمنح المتخصص أساساً مهماً في مجاله وتفتح له باباً واسعاً من المعرفة المنظمة. وفي الوقت نفسه هناك من يطور نفسه من خلال التدريب والخبرة العملية والتعلم الذاتي. وقد يجمع الإنسان بين هذه الطرق كلها ليبني خبرته بصورة متكاملة.
أما أنا فأقولها بوضوح أنا معلمة قبل كل شيء وأمارس الكتابة منذ سنوات وأقدم المحتوى الذي أجد فيه مساحة للتعبير عن أفكاري وخبراتي. وبفضل الله عز وجل أمتلك أدوات التقديم التي أستخدمها في صناعة المحتوى من الصوت والحضور والكاريزما واللباقة إلى الارتجال الإيجابي المثقف والقدرة على إيصال الفكرة والتحدث أمام الكاميرا.
وقد ساعدتني تجربتي في التعليم على التعامل مع الناس وفهم اختلاف الشخصيات والوقوف أمام الجمهور. كما منحتني الكتابة مساحة للتأمل في الأفكار وصياغتها بينما علمتني صناعة المحتوى أن الفكرة مهما كانت جميلة تحتاج إلى طريقة مناسبة حتى تصل إلى المتلقي.
وفي العمل قد تظهر مواقف لا توجد لها إجابة جاهزة في الكتب. وهنا تأتي قيمة التجربة. فكل موقف يمنح الإنسان فرصة ليتعلم شيئاً جديداً عن عمله وعن طريقة تعامله مع الظروف المختلفة.
ولهذا أرى أن الإنسان يحتاج أحياناً إلى أن يتوقف قبل أن يتحدث. أن يبحث ويتعلم ويتأكد ويفهم ما يريد تقديمه. فليس الهدف أن نمتلك أكبر قدر من المعلومات وإنما أن نعرف كيف نفهمها ونستخدمها بطريقة نافعة.
والعمل الجيد لا يبدأ عند لحظة ظهوره أمام الناس. فخلف النتيجة النهائية وقت من الإعداد والتفكير والتدريب والمراجعة. وقد لا يرى المتلقي كل هذه التفاصيل لكنه يلمس نتيجتها عندما يكون العمل واضحاً ومتقناً.
كما أن معرفة الإنسان لهدفه المهني تساعده على اختيار خطواته. فعندما يعرف ما الذي يريد الوصول إليه يصبح أكثر قدرة على ترتيب أولوياته ومعرفة ما الذي يحتاج إلى تعلمه وما الذي يستطيع تطويره وما الذي يحتاج فيه إلى مساعدة أو تعاون مع الآخرين.
وفي مسيرة العمل قد تمر مراحل يشعر فيها الإنسان بأنه يتقدم ومراحل يحتاج فيها إلى مراجعة ما قام به. وهذه المراجعة تمنحه فرصة ليعيد النظر في خطواته ويحتفظ بما نجح فيه ويطور ما يحتاج إلى تحسين.
وأرى أن الشاطئ يشبه تلك اللحظة التي ينظر فيها الإنسان إلى رحلته من مكان أكثر وضوحاً. أما المرفأ فهو محطة يعيد فيها ترتيب أدواته ويستعد لمرحلة جديدة. وليس كل توقف تراجعاً فقد تكون بعض التوقفات جزءاً من الاستعداد للانطلاق بصورة أفضل.
والإنسان الذي يعرف أنه لا يزال يتعلم يصبح أكثر قدرة على تقبل الملاحظات والاستفادة من التجارب. فالتطور لا يعني أن يصل الإنسان إلى الكمال وإنما أن يكون لديه استعداد دائم لإضافة معرفة جديدة وتحسين مهارة موجودة.
وهنا يصبح المسمى جزءاً من الصورة وليس الصورة كلها.
فالموهبة تفتح الباب والدراسة تبني الأساس والممارسة توسع الخبرة والتدريب يصقل المهارة والمعرفة تساعد على حسن الاختيار والمسؤولية تمنح العمل قيمته.
وفي النهاية لا أرى أن الإنسان يحتاج إلى إثبات نفسه من خلال المسمى وحده. فكل مهنة لها مكانتها وكل تجربة لها ظروفها وكل شخص لديه مساحة يستطيع أن ينمو فيها. والقيمة الحقيقية تظهر عندما يعرف الإنسان أدواته ويطورها ويستخدمها فيما يستطيع أن يقدمه بإتقان ومسؤولية.
فكل سفينة لها طريق وكل رحلة لها محطات وقد تتغير الظروف أثناء الإبحار لكن الإنسان يستطيع أن يعيد ترتيب مساره كلما تعلم أكثر.
فالمهنة وجه ظاهر أما الوجه الآخر فهو ما يبنيه الإنسان خلف هذا المسمى من مهارات وخبرة ووعي ومسؤولية



