مقالات و رأي

حين تنتصر الرواية على الحقيقة

عدنان عيسى العمري
باحث تاريخي

القراءة التاريخية للحدث ليست قراءة ثابتة لا تتغير، فالتاريخ الذي نقرأه اليوم قد يبدو لنا مختلفاً غداً، لا لأن الحدث التاريخي قد تغير، فالحدث وقع وانتهى، وإنما لأن نظرتنا إليه تتغير، ولأن أدواتنا في فهمه تتطور، ولأن ما وصل إلينا من روايات ومصادر قد لا يكون قد نقل لنا الحقيقة كاملة.
فالحدث التاريخي شيء، والرواية التي كُتبت عنه شيء آخر. الحدث يقع مرة واحدة، أما تفسيره فيمكن أن يتعدد، وقد تتعدد الروايات حوله حتى يصبح من الصعب أحياناً التمييز بين ما حدث فعلاً وبين الصورة التي أراد المؤرخ أن يتركها عن الحدث.
والمؤرخ مهما بلغ من علم وتجرد، ليس مرآة صافية للماضي فهو ابن عصره، يحمل معتقداته وتصوراته وانتماءاته ومخاوفه، وقد يتأثر بالسلطة التي يعيش في ظلها، أو بالبيئة السياسية والفكرية التي تحيط به.
ولذلك فإن قراءة التاريخ لا ينبغي أن تكتفي بقراءة ما كتبه المؤرخ، بل يجب أن تسأل أيضاً: من هو هذا المؤرخ؟ وفي أي زمن كتب؟ ولمن كان يكتب؟ وما علاقته بالسلطة؟ ومن كان يستطيع أن يكتب في عصره، ومن حُرم من الكتابة؟
وهنا تظهر مشكلة أكثر عمقاً فليس كل من عاش الحدث استطاع أن يسجل شهادته، وليس كل من امتلك القلم امتلك الحقيقة وقد تكون الرواية التي بقيت وانتشرت هي رواية الطرف الأقوى، لا لأنها أكثر صدقاً، وإنما لأنه كان أكثر قدرة على الكتابة والتوثيق والنشر، فالمنتصر لا يملك دائماً الحقيقة، لكنه كثيراً ما يملك القدرة على صناعة الرواية.
وقد يكتب المؤرخ عن خصمه لا بوصفه خصماً سياسياً فحسب، وإنما بوصفه صورة للشر أو الفوضى أو الجهل أو الخروج عن الطاعة فيصبح التاريخ عندها امتداداً للصراع ويغدو القلم أداة أخرى من أدوات القوة وهنا قد يقع ظلم تاريخي بالغ يُدان المظلوم لأنه لم يملك منبرا، ويُبرّأ المعتدي لأن روايته كانت الأكثر حضوراً في المصادر.
وهذا لا يعني هذا أن كل رواية كتبها المنتصر كاذبة ولا أن كل رواية كتبها المهزوم صادقة فالحقيقة لا تُقاس بموقع صاحبها من الصراع لكن المؤرخ الجاد لا يقبل الرواية لمجرد أنها قديمة أو مشهورة كما لا يرفضها لمجرد أنها صادرة عن خصم وإنما يضعها أمام ميزان النقد، ويقارنها بغيرها، ويفحص سياقها ومصادرها وتناقضاتها، ويبحث عما قيل وما لم يُقل، وما ظهر في الرواية وما اختفى منها.
ولذلك فإننا حين نقول إننا بحاجة إلى إعادة قراءة تاريخنا، فإن المقصود ليس هدم التاريخ، وإنما تحريره من القراءة الأحادية، ولا يعني ذلك محاكمة المؤرخين لأنهم اختلفوا معنا، وإنما محاكمة رواياتهم أمام النقد العلمي، محاكمة مصادرها، وسياقاتها، ومنهجها، وتناقضاتها، وما يمكن أن تكون قد أخفته أو بالغت فيه أو أسقطته من حسابها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى