مقالات و رأي

غربة اليقين في ديار المأوى

د. هند خليل مروان

​لم تعد الغربة في زماننا مسافة تُقطع بالأبدان، ولا ارتحالاً عن الأوطان؛ بل غدت غربة روح وفكرة، يعيشها المسلم وهو بين أهله وفي قلب دياره.
تلك الغربة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء»،
لم تكن تعني مجرد قلّة العدد، بل قلّة التمسّك بالحق وسط ركام الزيف والافتتان.
​إن أشد أنواع الغربة إيلاماً هي أن يغدوَ الدين في مجتمعاته مجرد موروث شكلي أو طقوس عابرة تُؤدّى بلا روح، بينما تُستبعد قيمه الحاكمة وشريعته المنظمة للحياة.
أصبحت المفاهيمُ مقلوبة؛ يُرمى المتمسك بسنة نبيه بالتشدد، وتُسمى الاستقامة تعقيداً، بينما يُحتفى بالتفلت تحت شعارات “التطور” و”المعاصرة”.
تغرّب الحياء في سلوكياتنا، وتغرّبت الأمانة في معاملاتنا، وغدت الرقابة الإلهية فكرة مؤجلة في زحام الماديات المتلاطمة.

لكن هذه الغربة — على قسوتها — ليست دعوة للاعتزال أو مدعاة لليأس والقعود؛ بل هي بشارة ومسؤولية. إنها الاصطفاء الذي يستفرغ همم الصادقين ليكونوا “حراس الوعي” وثابتين على الجمر.
فالغرباء هم الذين يصلحون إذا فسد الناس ، ويضيئون الدروب كلما اشتدت الظلمات، متمسكين بيقينهم أن العاقبة للحق، وأن فجر الاستقامة طالعٌ لا محالة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى