إعلان مدفوع

إعلان
اعلانك يحقق اهدافك لاتتردد
مقالات و رأي

شارة الهلال.. هل تكون القيادة بالهوية أم بالاستحقاق؟

بقلم: مبارك حسين آل سراج..

في كرة القدم الحديثة، لم تعد شارة القيادة مجرد قطعة قماش تُلف حول ذراع أحد اللاعبين، ولا مكافأة رمزية للأقدمية أو تعبيراً تلقائياً عن الجنسية.
قائدُ الفريق اليوم هو أكثر من يرتدي الشارة؛ إنه صوتُ المجموعة داخل الملعب، وحلقة الوصل مع الحَكَم، والشخص الذي يُفترض أن يمتلكَ القدرة على تهدئة زملائه في لحظات التوتر، وتحمُّل المسؤولية عندما تصبح المباراة أكثر صعوبة، والتأثير في الفريق بشخصيته قبل كلماته.
ومن هنا يبرز سؤالٌ يستحقُّ النقاش في نادي الهلال:
هل ينبغي أن تبقى شارةُ القيادة مرتبطة باللاعب المحلي بحكم العُرف والتقاليد، أم أن الوقت حان لأن تصبح معياراً للاختيار وفق الكفاءة والشخصية والحضور؟
الهلال اليوم ليس هو الهلال الذي كانت تشكيلتُه الأساسية تضم سبعة أو ثمانية لاعبين سعوديين إلى جانب عددٍ محدود من المحترفين الأجانب. تغيرت تركيبة الفريق، وتغيَّر معها شكل كرة القدم السعودية نفسها.
أصبح الهلال فريقاً عالمي التكوين، متعدد الجنسيات والثقافات واللغات، وتضم غرفة ملابسه لاعبين يمتلكون خبراتٍ كرويةً وشخصياتٍ قياديةً كبيرة.
وهنا يصبح من المشروع أن نسألَ: هل الجنسية معيارٌ كافٍ لمنح شارة القيادة؟
بالطبع، هناك مبرراتٌ مفهومة وتاريخية لبقاء الشارة مع اللاعب المحلي.
فهو أكثر ارتباطاً بهوية النادي، وأقرب إلى الجمهور، ويمثل قدراً من الاستمرارية في فريق تتغيرُ فيه أسماءُ المحترفين الأجانب من موسم إلى آخر. كما أن وجودَ قائدٍ سعودي يحمل قيمةً رمزية مهمة في نادٍ بحجم الهلال الذي يُعد الفريق الوحيد بين الأندية السعودية الذي تم تخصيصه حيث استحوذت عليه شركة المملكة القابضة بنسبة 70%، إضافة الى أنه أصبح من أكثر الأندية التي تقوم بعملية الاستقطابات المحلية، بما يعني أن تدوير اللاعب المحلي يمضي بسرعة؟
لكن الرمز، مهما كانت قيمتُه، لا ينبغي أن يتحول إلى قاعدة جامدة لا تقبل المراجعة!
فالاحتراف الحقيقي يفترض أن تكون القيادة استحقاقاً لا امتيازاً، والقائد الذي يستحق الشارة هو من يمتلك الشخصية والهدوء والثقة والقدرة على التواصل، ويحظى باحترام زملائه، ويعرف كيف يتعامل مع الحَكَم، وكيف يقرأ لحظات المباراة، والأهم من ذلك كله: كيف يتحمل المسؤولية عندما تتعقد الأمور.
وهنا تبرزُ مسألةُ التواصل مع الحكّام، خصوصاً في ظل اعتماد الهلال على أطقم تحكيم أجنبية في مسابقاته المحلية. ففي مباراة يقودها حكمٌ أجنبي، وتضم داخل الملعب عدداً كبيراً من اللاعبين الذين يتحدثون الإنجليزية، تصبح القدرةُ على التواصل المباشر والسريع مع الحكم ميزةً عملية، وليست مجرد تفصيل ثانوي.
القائدُ هنا لا يحتاج فقط إلى أن يرفع يده عندما يحتج فريقه، بل يحتاج إلى أن يفهمَ الموقف، ويختار التوقيت المناسب، ويشرح وجهة نظر فريقه بهدوء، ويمنع عشرات اللاعبين من التحدث في الوقت نفسه.
وهكذا تتحول الشارةُ من رمزٍ شرفي إلى أداةٍ وظيفية داخل المباراة.
ولا يعني هذا بأي حال من الأحوال انتزاعَ القيادةِ من اللاعبين المحليين..
على العكس تماماً..
إذا كان اللاعبُ المحلي هو الأكثرُ حضوراً وتأثيراً، والأقوى شخصيةً، والأكثر احتراماً داخل غرفة الملابس، والأفضل قدرة على التواصل وإدارة اللحظات الصعبة، فمن الطبيعي أن يحمل الشارة.
لكن السؤال الحقيقي هو:
ماذا لو كان لاعب أجنبي يمتلكُ هذه الصفات بصورةٍ أكبر؟
لماذا تصبحُ جنسيتُه عائقاً أمام استحقاقِه للقيادة؟
الأنديةُ العالمية الكبرى تجاوزت منذ سنوات فكرة أن قائد الفريق يجب أن يكون من أبناء البلد. وفي فرق أوروبية كبرى، كريال مدريد وبرشلونة ومانشستر سيتي وليفربول، حمل الشارةَ لاعبون من جنسياتٍ مختلفة، لأن المعيارَ النهائي لم يكن جوازَ السفر، وإنما القدرة على القيادة.
والهلال اليوم يسيرُ في الاتجاه نفسه.
فهو لم يعد مجرد نادٍ سعودي كبير، بل أصبح مشروعاً كروياً عالميًا يستقطب لاعبين ومدربين من أعلى المستويات، وينافس على أكبر البطولات، ويحظى بحضورٍ جماهيري وإعلامي يتجاوز الحدود.
ومن الطبيعي، إذن، أن تتطور ثقافةُ القيادة داخله بالسرعة نفسها التي تطورت بها جودةُ اللاعبين والاستقطابات.
بل ربما يكونُ من الأنسب أن يمتلك الهلال مجموعة قيادة لا قائداً واحداً بالمفهوم التقليدي: قائداً أول، ونائباً أو أكثر، بحيث توزع أدوار القيادة وفق الشخصية والخبرة والحضور والقدرة على التأثير، وليس وفق الجنسية.
فالقيادة في النهاية ليست شارة تُمنح للاعب، وإنما مسؤولية يثبت أنه قادر على حملها.
لقد تغيرت كرةُ القدم السعودية في كل شيء تقريباً: نوعية اللاعبين، وقيمة العقود، ومستوى المدربين، وحجم المنافسة، والحضور العالمي، وحتى طبيعة الجماهير والمتابعة الدولية.
ولذلك فإن مراجعة بعض التفاصيل التي اعتدنا عليها ليست خروجاً على التقاليد، بل ربما تكون جزءاً من رحلة التحول نحو كرة قدم أكثر احترافاً.
المطلوب ليس إقصاء اللاعب المحلي من المشهد، وإنما إلغاء الجنسية من قائمة شروط الاختيار أصلاً.
فإذا كان اللاعب المحلي هو الأفضل للقيادة، فليحمل الشارة..
وإذا كان الأجنبي هو الأجدر بها، فلماذا لا يحملها؟
لأن هناك فرقاً كبيراً بين أن ترتدي شارة القيادة، وبين أن تكون قائداً بالفعل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى