إعلان مدفوع

إعلان
اعلانك يحقق اهدافك لاتتردد
التعليم

ما وراء الترتيب: قراءة علمية نقدية في نتائج PISA 2025 للأنظمة التعليمية العربية المشاركة

من قياس الأداء إلى هندسة التحسّن وصناعة القرار المستند إلى الأدلة

د.فاطمة بنت إبراهيم رويس

د.نجوى الفزاع غريس

مركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميز في التعليم

تكشف نتائج PISA 2025 عن صورة عربية غير متجانسة: فقد حققت الإمارات العربية المتحدة والأردن والمملكة العربية السعودية تحسنًا ذا دلالة في العلوم مقارنة بعام 2022، وحافظت دولة قطر على مسارها الإيجابي طويل المدى رغم استقرار نتائجها في الدورة الأخيرة. وفي المقابل، واجهت أنظمة أخرى تحديات مرتبطة بانخفاض الأداء، أو اتساع التغطية التعليمية، أو ظروف النزاع، أو محدودية قابلية المقارنة الزمنية.

لكن الرسالة الأهم لصناع القرار ليست ترتيب الدول، وإنما ما يأتي:

  1. التحسن المسجل في بعض الأنظمة يمثل تقدمًا مهمًا، لكنه لا يعني بعدُ بلوغ مستوى الكفاية المنشود.
  2. المشكلة الأكثر إلحاحًا هي ارتفاع نسبة الطلبة الذين لا يبلغون الحد الأدنى من الكفاية في المجالات الثلاثة معًا.
  3. ندرة الطلبة في مستويات الأداء العليا تمثل تحديًا موازيًا؛ لأن الأنظمة تحتاج إلى رفع قاعدة التحصيل وتوسيع قمة التميز في الوقت نفسه.
  4. صِغَر الفجوات داخل بعض الأنظمة منخفضة الأداء لا يعني بالضرورة تحقق الإنصاف؛ فقد يكون ناتجًا عن تقارب الطلبة حول مستوى منخفض.
  5. تراجع القراءة لا يعكس ضعفًا لغويًا فقط، بل أزمة أوسع في الانتباه والمثابرة والتعامل المتعمق مع النصوص والمعلومات.
  6. التوسع في الأجهزة والذكاء الاصطناعي لا يضمن تحسن التعلم؛ فالعبرة بنوعية الاستخدام والتصميم التربوي والتنظيم الصفي.
  7. القيمة الحقيقية للنتائج تبدأ بعد إعلانها، من خلال تحليل البيانات الجزئية، وتصميم التدخلات، وقياس أثرها، وربط التمويل بالنتائج التعليمية.

 

ثلاث خلاصات مهمّة تستوجب التأكيد: 

  • الأولى، أن القيمة الحقيقية للاختبارات الدولية لا تكمن في الأرقام، بل في قدرة المؤسسات على تحويلها إلى دورة مستدامة: تشخيص، ثم تدخّل، ثم قياس أثر، ثم تحسين مستمر. وهذه القدرة تُبنى ولا تُفترض.
  • الثانية، أن الدراسات الدولية أداة من بين أدوات، لا مرجعًا وحيدًا ولا واقعًا لا بدّ من مجاراته. والتعامل مع التجارب الدولية الناجحة ينبغي أن يبقى في حدود اعتبارها قصص نجاح يُقتبس منها لا تُحاكى، لأن السياسات ذات الترتيبات المتشابهة تؤدّي إلى نتائج متباينة في سياقات مختلفة.
  • والثالثة، أن المنطقة العربية لن تستطيع، بالدراسات الدولية وحدها، الإجابة عن أسئلتها. ثلثا دولها خارج البيانات، وأداتها القياسية تصل متأخّرة عن اللحظة التي كان التدخّل فيها ممكنًا، ومؤشّراتها الإنصافية النسبية تعطي المنطقة صورة مطمئنة مضلّلة، ولا تقيس ما تعدّه هذه الدول جوهريًا في رسالة مدارسها.

القسم الأول: قراءة تحليلية في نتائج بيزا 2025

أولًا: نطاق القراءة ومنهجيتها

شارك في PISA 2025 أكثر من 760 ألف طالب وطالبة من 91 دولة واقتصادًا، يمثلون نحو 33 مليونًا من الطلبة في سن الخامسة عشرة. وركزت الدورة على العلوم بوصفها المجال الرئيس، إلى جانب القراءة والرياضيات وحل المشكلات الحاسوبي.

استندت القراءة بالأساس على تقرير بيزا 2025 الصادر في 8 سبتمبر 2026، واعتمدت أربعة مستويات تحليلية:

  • متوسطات الأداء ومستويات الكفاية.
  • التغير بين دورتي 2022 و2025.
  • مؤشرات الإنصاف ببُعديه النسبي والمطلق .
  • البيئة التعليمية والانخراط والتقنية والذكاء الاصطناعي.

هذا، وتجدر الإشارة إلى المعالم المنهجية التي تتسم بها دراسة بيزا والتي ينبغي استحضارها في أي عمل تحليلي، أهمّها:

  • تستخدم بيزا 3 أنواع من المتوسطات: (1) متوسط الدول الأعضاء في الدورة الحالية؛ و(2) متوسط 35 دولة يُستعمل لاتجاهات القراءة الطويلة؛ و(3) متوسط 23 دولة يُستعمل للمقارنة القصيرة بين 2022 و2025. وهي متوسطات غير متطابقة، وقد يبلغ الفرق بينها عدة نقاط. ولذلك تلتزم هذه الورقة بتسمية المتوسط المستعمل عند كل رقم.
  • التعامل مع النتائج باعتبارها تعدادًا لجميع الطلبة؛ فهي تقديرات مستخرجة من عينات احتمالية، وتتضمن خطأ معاينة وخطأ قياس وخطأ ربط عند المقارنة بين الدورات. لذلك لا ينبغي وصف أي فرق بأنه تحسن أو تراجع ما لم تثبت دلالته الإحصائية.
  • لا تشمل دراسة بيزا جميع الشباب في سن الخامسة عشرة، بل الطلبة المنطبق عليهم تعريف الفئة المستهدفة والمقيّدين في الصف السابع فما فوق. وتؤكّد الجهة المشرفة على الدراسة صراحةً أن النتائج، وإن كانت ممثِّلة للفئة المستهدفة، لا يمكن تعميمها على مجموع من هم في سن الخامسة عشرة في الدول التي يبقى فيها عدد كبير منهم خارج التعليم الثانوي.
  • لا تمنح بيزا درجة فردية شاملة لكل طالب؛ فالطلبة يجيبون عن مجموعات مختلفة من الفقرات، ولا يوجد «مجموع كلي» رسمي يجمع المجالات الثلاثة
  • لا يصحّ مقارنة الأنظمة المختلفة في التغطية أو التركيبة السكانية مقارنةً مباشرة
  • ثامنًا، النتائج تقديرات لا تعدادات، ولا يُوصف أي فرق بأنه تحسّن أو تراجع ما لم تثبت دلالته الإحصائية.
  • التأكيد على أن مفهوم “المرونة الأكاديمية” الذي تستخدمه الدراسة هو مفهوم نسبي داخل البلد وليس معيارا مطلقا؛ حيث يقصد بالطالب المحروم الذي يقع في الربع الأعلى من الأداء داخل بلده تحديدا. ومن ثمّ فإن ارتفاع نسبة المرونة في نظام منخفض الأداء قد لا يدلّ بالضرورة على تفوّق.

 ثانيًا:  أهمّ النتائج

قبل عرض نتائج  هذه القراءة التحليلية، تجدر الإشارة إلى الحدود التالية:

  • لا تقرّ القراءة بأفضلية أي نظام تعليمي عن آخر، باعتبار الاختلافات الجوهرية في السياقات والتغطيات والتركيبات السكانية
  • لا تنسب أي تحسّن أو تراجع إلى سياسة بعينها، لأن بيزا تقيس ارتباطات ولا تثبت سببية.
  • لا تقدّم «متوسطًا عربيًا». تكوينه يتطلّب بيانات جزئية وأوزانًا وتصميم معاينة.
  • لا تصف حال التعليم في المنطقة العربية. بل تصف الأنظمة العربية المشاركة فقط، وهي عيّنة غير عشوائية ولا تمثيلية.

شاركت في PISA 2025 ثمانية أنظمة تعليمية عربية فقط، وعليه لا يمكن الحديث عن «وضع التعليم العربي» خاصة وأن الأنظمة الثمانية المشاركة تميل بنيويًا إلى الدخل المتوسط والمرتفع، وتغيب عنها الكتلة السكانية الأكبر من طلبة المنطقة. كما يلاحظ أن الدول غير المشاركة هي في غالبها الدول التي تعاني أشدّ قيود الموارد والقدرات المؤسسية والاستقرار، أي الدول الأكثر حاجة إلى بيانات تشخيصية موثوقة.

وقد كشفت تقرير بيزا 2025 عن النتائج التالية:

الجدول رقم1: نتائج الدول العربية المشاركة في بيزا 2025

المتفوقون في مجال واحد على الأقل  % التغير في العلوم عن 2022 حل المشكلات الحاسوبي الرياضيات القراءة العلوم النظام التعليمي
11.9 -3 500 463 461 482 متوسط OECD
10.3 +26 476 453 433 458 الإمارات
5.0 +2 452 416 418 434 قطر
0.6 +23 426 390 387 413 السعودية
0.3 +32 408 388 363 407 الأردن
1.1 غير متاح 358 377 331 372 لبنان
0.1 -17 393 354 350 359 فلسطين
0.1 -7 374 355 321 358 المغرب
0.0 غير متاح غير متاح 339 312 352 إقليم كردستان – العراق

المصدر: جدول I.1 في التقرير الرسمي.

 

وبالنظر إلى نسبة الطلبة الواقعين دون المستوى الثاني في العلوم والقراءة والرياضيات معًا، جاءت النسب متراوحة بين 19.7 و76.8 كما يظهر في الشكل التالي:

 

الشكل رقم 1: . نسبة الطلبة دون المستوى الثاني في المجالات الثلاثة مجتمعة. استنادًا إلى الجدول I.1.

الوضع التعليمي في الدول العربية: أداء متعدد الوجوه

1.1 الإمارات: التحسن مهم، لكنه لا يلغي وجود فجوات:

  • حققت الإمارات تحسنًا في المجالات الثلاثة مقارنة بعام 2022، وبلغ تحسنها 26 نقطة في العلوم و21 نقطة في الرياضيات و15 نقطة في القراءة. وهي الأقرب بين الأنظمة العربية الواردة إلى متوسط دول منطقة التعاون الاقتصادي، كما بلغ 65% من طلبتها المستوى الثاني فأعلى في العلوم.
  • تكشف بيانات الإنصاف أنه بين 2022 و2025 ارتفع أداء الطلبة المحرومين بمقدار 40 نقطة، مقابل 19 نقطة للميسورين، فضاقت الفجوة بينهما بمقدار 21 نقطة، ما يؤكّد أنّ التحسّن مردّه خفض متدنّي الأداء ورفع المتفوّقين في آن واحد.
  • لا يزال 26.6% من الطلبة دون المستوى الثاني في المجالات الثلاثة مجتمعة، مقابل 19.7% في متوسط دول منطقة التعاون الاقتصادي. وهذا يعني أن المرحلة التالية للسياسة الإماراتية ينبغي أن تنتقل من استعادة الأداء إلى استدامة التحسن وتقليص قاعدة التعثر.
  • تظهر الإمارات في الطرف الأعلى عالميًا من حيث نسبة التباين في الأداء العائدة إلى الفروق بين المدارس، إلى جوار سلوفاكيا وألمانيا (الشكل 2.2 في تقرير بيزا). وهذا يدلّ أن الفروق تكمن بين المدارس لا داخلها. ويمكن تقليص هذه الفجوة بين المدارس عبر سياسات تتعلق بتوزيع المعلمين، ومعايير الجودة الموحّدة، وسياسات القبول….

 2.1 قطر : متوسط ثابت وتحسّن إنصافي في المجموعة، وتحدي “كسر الاستقرار”

–        يبدو أداء قطر مستقرا، حيث لا تُظهر فروق دالّة إحصائيا بين 2022 و2025   في المجالات الثلاثة، ولذلك الأدق وصف الأداء بأنه مستقر لا متحسن ولا متراجع. لكن الصورة طويلة المدى أكثر إيجابية؛ إذ جاءت نتائج 2025 أعلى بصورة دالة من نتائج 2015، وانخفضت نسب متدني الأداء خلال العقد.

  • تراجع الفجوة بين فئات الطلبة، حيث بين 2022 و2025 ارتفع أداء الطلبة المحرومين 21 نقطة، بينما تراجع أداء الميسورين 13 نقطة، وبذلك تقل الفجوة 34 نقطة؛ وهي أكبر تراجع في المجموعة العربية كلها، ومن أكبرها دوليًا.
  • يلاحظ أن تقليص الفجوة جاء نتيجة صعود القاعدة وهذا يعتبر مكسبا إلا أن تراجع أداء الشريحة الميسورة بمقدار 13 نقطة يستوجب الانتباه حتى لا يقترن التحسن في مؤشرات الإنصاف بتراجع الفئة العليا
  • وبناء على هذه النتائج، لم يعد التحدي القطري يتمثل في وقف التراجع، وإنما كسر حالة الاستقرار وتوسيع قمّة التميّز ورفع نسبة الطلبة الذين يحققون الكفاية في المجالات الثلاثة؛ إذ لا يزال 35.8% دون المستوى الثاني فيها مجتمعة، بينما تبلغ نسبة المتفوقين في مجال واحد على الأقل 5%.

 3.1 الأردن و السعودية: تحسّن ذو قيمة، ومسارا إنصاف متعاكسان

  • الأردن: ارتفع الأداء في العلوم والقراءة والرياضيات الثلاثة (+32، +20، +26)، وهو أكبر تحسّن في المجموعة العربية، وانخفضت نسبة متدني الأداء في العلوم بنحو 17 نقطة مئوية مقارنة بعام 2022. إلا أن 48% فقط بلغوا المستوى الثاني فأعلى في العلوم، وظلت نسبة المتفوقين محدودة. وعليه، فالنتيجة الأردنية تمثل تعافيًا ذا قيمة، لكنه لم يصل إلى مستوى الكفاية المنشود.
  • أما في السعودية، فقد تحقق تحسن واضح في العلوم (+23)، بينما بقيت القراءة (+5) والرياضيات (+1) عند مستويات قريبة من دورة 2022. وتدل هذه النتائج على نجاح اتجاه إصلاحي في العلوم، مع ضرورة نقل أثره إلى القراءة والرياضيات.  وبلغت نسبة الطلبة الذين وصلوا إلى المستوى الثاني في العلوم 51%، في حين ظلت نسبة المتفوقين في العلوم محدودة جدًا. وارتفع أداء المحرومين 15 نقطة والميسورين 17 نقطة، مما يدل على اتساع الفجوة بثلاث درجات.
  • أظهرت النتائج نقطة مشتركة بين الأردن والسعودية تتمثل في وجود نقص في هيئة التدريس والمواد التعليمية مقارنةً بالمدارس المحرومة مقارنة بالمدارس الميسورة. ويمكن تدارك هذه الوضعية باتخاذ إجراءات تمييز إيجابي توجّه الموارد للمدارس الأكثر احتياجا.

4.1 المغرب ولبنان: لا يجوز قراءة النتائج دون إدخال عنصر التغطية التعليمية

  • في المغرب، كان أداء العلوم في 2025 قريبًا من 2022 (‑7) بينما انخفضت القراءة (‑18) والرياضيات (‑10). غير أن عدد الطلبة في سن الخامسة عشرة المؤهلين للمشاركة ارتفع بأكثر من 30% بين 2018 و2025 نتيجة توسع الالتحاق بالتعليم الثانوي.
  • هذه ملاحظة شديدة الأهمية لأن إدماج فئات كانت خارج التعليم أو مهمشة سابقًا يمكن أن يكون أحد العوامل المفسرة لانخفاض المتوسط . ومن ثم لا يكفي استخدام المتوسط الخام للحكم على الإصلاح، بل تقتضي القراءة الموضوعية والشاملة للنتائج النظر في عدد من التقاطعات من بينها: نسبة التغطية والالتحاق، ومتوسط الأداء، ونسبة بلوغ الحد الأدنى، الأداء المعدل بالتغطية لجميع من هم في سن الخامسة عشرة. وقد أشار تقرير بيزا 2025 إلى أن التوسع في الإدماج يفسر جانبًا مهمًا من اتجاهات المغرب، مع التنويه إلى أن تراجع القراءة ظلّ قائمًا حتى بعد مراعاة هذا العامل. أما في ما يتعلق بالإنصاف فقد تراجع أداء الطلبة المغاربة المحرومين 13 نقطة بينما ارتفع أداء الميسورين 5 نقاط، وبذلك اتّسعت الفجوة 18 نقطة؛ وهي أكبر درجة تمّ تسجيلها في المجموعة العربية، مما يدلّ على تمركز التراجع في الشريحة الدنيا.
  • – تنطبق ملاحظة التغطية على لبنان؛ إذ ارتفعت تغطية الفئات المهمشة مقارنة بعام 2015، كما لم تشمل النتائج محافظتين من الأكثر تأثرًا بالنزاع. ولذلك لا تعكس النتائج الصورة الكاملة للوضع التعليمي اللبناني. وفي ما يتعلق بالإنصاف، ظهرت فجوة كبيرة بين الطلبة غير المهاجرين (408) وذوي الخلفية المهاجرة (322) تبلغ 87 نقطة، وهي من أكبر الفجوات المسجّلة عالميًا؛ وتستدعي هذه النتيجة اهتماما أكبر بتعليم الأطفال اللاجئين.

5.1 فلسطين: قراءة النتائج في سياق الاستثناء لا في سياق الترتيب

  • تراجعت النتائج الفلسطينية في العلوم والرياضيات مقارنة بعام 2022، وبقيت القراءة قريبة من مستواها السابق. لكن نتائج 2025 لم تشمل المدارس الأكثر تأثرًا بالنزاع، وقد أعادت الدراسة حساب نتائج 2022 وفق التغطية نفسها لتحقيق قابلية المقارنة. وقد شمل تراجع الأداء فئة المحرومين (‑6) وفئة الميسورين (‑12)، مما يظهره كاتجاه عام يرتبط بأثر صدمة نظامية أكثر منه أثر سياسة تعليمية.
  • وتجدر الملاحظة أن التراجع المسجل لا يمثل تقديرًا كاملًا لحجم الفاقد التعليمي في جميع المناطق. وقد تكون النتائج المنشورة أقل حدة من الواقع الكلي بسبب استبعاد البيئات الأكثر تضررًا. وهذا استنتاج تحليلي ينبغي التعامل معه بحذر، وليس نتيجة مباشرة يثبتها الاختبار

6.1  إقليم كردستان يمثل خط أساس لا اتجاهًا زمنيًا

كانت مشاركة إقليم كردستان – العراق في 2025 هي الأولى، واقتصرت العينة على المدارس الحكومية التي تضم أكثر من 90% من طلبة هذه الفئة العمرية. لذلك تمثل النتائج خط أساس لبناء الإصلاح وقياس الدورات اللاحقة، ولا يجوز وصفها بأنها تراجع أو تحسن.

وتظهر النتائج أن 19% فقط بلغوا المستوى الثاني فأعلى في العلوم، و7% في كل من القراءة والرياضيات؛ ما يجعل بناء المهارات الأساسية أولوية عاجلة تتقدم على أي انشغال بالترتيب الدولي.  كما تم تسجيل وأضيق فجوة بين الميسورين والمحرومين (19 نقطة فقط مقابل 85 في متوسط دول منطقة التعاون الاقتصادي) إلا أن ضيق الفجوة مردّه وجود الأغلبية عند المستوى المنخفض.

7.1 خصوصية قطر والإمارات تستلزم تحليلًا سكانيًا مختلفًا

تضم قطر والإمارات نسبة تتجاوز 50% من الطلبة ذوي الخلفية المهاجرة وفق تعريف  بيزا، وهو تعريف يعتمد على بلد ميلاد الوالدين، ولا يطابق بالضرورة مفاهيم الجنسية أو المواطنة المستخدمة محليًا. وتظهر البيانات الخام تفوق الطلبة ذوي الخلفية المهاجرة في العلوم على غيرهم بنحو 94 نقطة في الإمارات و85 نقطة في قطر. لكن هذه الفروق لا ينبغي تفسيرها من خلال «الخلفية المهاجرة» وحدها؛ لأنها قد تعكس اختلافات في القطاع المدرسي، والمنهج، واللغة، والوضع الاجتماعي والاقتصادي، وسياسات استقدام الأسر.

لذلك ينبغي أن تبني الدولتان تحليلهما الوطني على التقاطعات الآتية:

  • المواطنون وغير المواطنين، وفق التعريف الوطني.
  • الجيل الأول والجيل الثاني من المهاجرين، وفق تعريف
  • لغة المنزل ولغة التدريس والاختبار.
  • المدارس الحكومية والخاصة والدولية.
  • نوع المنهج والمنطقة والوضع الاجتماعي والاقتصادي.

وتؤكد دراسة بيزا أن نتائج قطر والإمارات يجب أن تُدرس في سياقها الديموغرافي الخاص، وأن ارتفاع نسبة الطلبة ذوي الخلفية المهاجرة لا يقدم أساسًا للقول إنه يؤدي إلى انخفاض النتائج؛ خاصة في ضوء اختلاف الاتجاهات المسجّلة: في الإمارات وقطر والسعودية بخصوص تفوّق ذوي الخلفية المهاجرة؛ وفي الأردن  يتساوى الطرفان؛ وفي المغرب وفلسطين وكردستان ولبنان يتراجعون  وبفارق حادّ في لبنان (‑87). وهذا يفيد أن أن “لخلفية المهاجرة” في المنطقة العربية ليست فئة تحليلية واحدة، بل تسميةٌ تغطّي واقعين متعاكسين: هجرة عمالية انتقائية في الخليج، ولجوء ونزوح في المشرق والمغرب، وبالتالي يمكن أن يؤدّي الخلط بينهما إلى انزلاق منهجي.

أزمة مزدوجة في “قاعدة التعلم” و”قمة التميز“

أظهرت النتائج أن خمسة أنظمة فقط في العالم حقّقت خلال العقد خفضًا في نسبة متدنّي الأداء وارتفاعًا في نسبة المتفوّقين في العلوم معًا وهي تركيا، والإمارات، والجبل الأسود، وقطر، وسلوفاكيا. وبخصوص الدولتين العربيتين المنتميتين لهذه المجموعة كشفت البيانات أن الفجوة تقلصت عبر رفع أداء الشريحة الضعيفة.  وعليه، تكشف النتائج عن تحديين متزامنين: قاعدة واسعة من الطلبة دون الحد الأدنى للكفاية، ونسبة محدودة جدًا من الطلبة في مستويات الأداء العليا.  وهذا يقتضي التركيز على مسارين متوازيين:

  • ضمان حد أدنى للتعلم من خلال تدخلات القراءة والحساب والعلوم الأساسية.
  • وتوسيع قمة التميز من خلال مهام التفكير العليا، والبحث العلمي المدرسي، وبرامج الإثراء، والمسارات المتقدمة، مع إتاحة عادلة لهذه الفرص.

لأنّ التركيز على الحد الأدنى وحده قد ينتج نظامًا متوسطًا لا يمتلك قاعدة كافية للابتكار والبحث والتخصصات العلمية المتقدمة. وفي المقابل، التركيز على المتفوقين وحدهم يرفع المتوسط من دون معالجة الإقصاء التعليمي. وبالتالي تتطلب المتابعة الدقيقة اعتماد مؤشرَين مستقلين: نسبة من يبلغون المستوى الثاني، ونسبة من يبلغون المستويين الخامس والسادس؛ لأن المتوسط العام يمكن أن يخفي حركة طرفي التوزيع.

  1. تراجع الفجوات لا يعني بالضرورة الإنصاف

من أهم ما كشفت عنه نتائج بيزا هو كسر الاعتقاد بأن انخفاض أثر الوضع الاجتماعي والاقتصادي دليلًا تلقائيًا على الإنصاف، حيث بيّنت أنه يمكن أن تكون الفجوة صغيرة بسبب تقارب جميع الفئات حول أداء منخفض، وهو ما يمكن وصفه بـ”انضغاط الأداء عند القاع”. فعلى سبيل المثال، يفسر الوضع الاجتماعي والاقتصادي نسبة محدودة من تباين الأداء في بعض الأنظمة منخفضة النتائج، لكن ذلك يتزامن مع انخفاض شديد في نسب بلوغ الكفاية. وهذا يقتضي تعريف الإنصاف إجرائيا وفق بعدين معًا:

  • العدالة النسبية: ما حجم الفجوة بين الفئات؟
  • العدالة المطلقة: هل تبلغ الفئات الأقل حظًا حدًا مقبولًا من الكفاية؟

وبالتالي ا ليس لنظام المنصف هو الذي تتساوى فيه الفئات عند مستوى منخفض، بل النظام الذي يحقق أداءً مرتفعًا وفجوات محدودة. كما يجب عدم تفسير تضيق الفجوات باعتباره تحسنًا تلقائيًا؛ فقد أوضح تقرير PISA 2025 أن بعض الفجوات الاجتماعية والاقتصادية ضاقت في متوسط دول منطقة التعاون الاقتصادي  بسبب تراجع أداء الفئات الأكثر حظًا، لا بسبب تحسن الفئات الضعيفة.

ويبيّن الشكل رقم2 تغيّر أداء العلوم في الدول العربية بين 2022 و2025 بحسب الفئة الاجتماعية–الاقتصادية، حيث ضاقت الفجوة بين الميسورين والمحرومين في الإمارات والأردن وقطر وفلسطين، واتّسعت في السعودية والمغرب. علما أن غياب لبنان وإقليم كردستان لعدم توفّر بيانات المقارنة بين الدورتين.

الشكل 2. تغيّر أداء العلوم بين 2022 و2025 بحسب الفئة الاجتماعية–الاقتصادية. إعداد الورقة استنادًا إلى الجدول I.2.

4.       مفارقة الدافعية والانخراط: الطموح مرتفع، والفضول منخفض

يقدّم دورة بيزا 2025 مؤشّرات للدافعية والفاعلية والتكيّف. وكانت نتائج الدول العربية المشاركة متّسقة ومقلقة في آن واحد؛ حيث برزت ثلاثة أنماط:

  • تشكل “تحديد الأهداف وطلب المساعدة” نقطتي قوّة إقليمية؛ حيث تجاوزت درجات الدول العربية متوسط دول منطقة التعاون الاقتصادي (+0.20 إلى +0.56). وهذا يدلّ، خلافا لما هو شائع، أن الطموح التعليمي ليس المشكلة
  • في المقابل يظهر “الفضول والمثابرة ” كنقطتي ضعف، وبتفاوت حادّ داخل المنطقة؛ حيث جاءت الإمارات والسعودية فوق متوسط دول منطقة التعاون الاقتصادي عكس الأردن وفلسطين والمغرب (الفضول ‑26 إلى ‑0.34). وهذه مسألة تستوجب الدرس لأنها توحي بأن الرغبة في النجاح تتجاوز الرغبة في المعرفة، ويأن القدرة على تحديد الأهداف تتجاوز مستوى المثابرة على تحقيقها.
  • وتبرز “التصوّرات عن طبيعة العلم” كأضعف المؤشّرات العربية على الإطلاق (‑48 في فلسطين، ‑0.47 في كردستان، ‑0.45 في لبنان، ‑0.40 في الأردن، ‑0.33 في المغرب). ويعكس ذلك وجود ضعف في فهم كيفية بناء الافتراضات العلمية وتبريرها والتحقق منها وصولا إلى تشكّل الإجماع العلمي. وهذا يستدعي تعديل تصورات الطلبة من النظر إلى العلوم كمادة للحفظ إلى كونها تمشيات استقصائية Investigation وطريقةً في التحقّق.
  • يلاحظ أنّ “الاستجابات المتعجّلة” تتجاوز متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (8.9%) في ستة من سبعة أنظمة متاحة، وتبلغ 22.5% في لبنان و17.9% في فلسطين و16.4% في قطر.

الشكل 3. الطموح مرتفع والفضول والتصوّر العلمي منخفضان. إعداد الورقة استنادًا إلى الجدول I.4.

  1. القراءة هي البنية التحتية للتعلم في عصر الذكاء الاصطناعي

تراجعت القراءة في متوسط دول منطقة التعاون الاقتصادي بنحو 28 نقطة بين 2015 و2025، وهي أكبر خسارة بين المجالات الرئيسة. كما ارتفعت نسبة «القراء المتعجلين» الذين يقدمون إجابات سريعة وغير صحيحة، وانخفض الجهد الذي أفاد الطلبة بأنهم بذلوه في الاختبار. وتشير تحليلات التقرير إلى أن التراجع لا يبدو مجرد خلل قياسي؛ بل يرتبط بضعف القدرة على القراءة المتأنية، والمحافظة على الانتباه، والمثابرة أمام النصوص الصعبة. وهذه القدرات جزء أصيل من مفهوم الكفاية القرائية، وليست عاملًا خارجيًا عنها. وقد أشار تقرير بيزا إلى بروز 3 ظواهر مهمّة بين 2018 و2025،:

  • التراجع وقع في مهام القراءة التي تتطلّب عمليات عليا: التقييم والتأمّل، والتكامل بين معلومات متعدّدة.
  • التراجع في الفقرات ذات النص الطويل أكبر منه في النصوص القصيرة والمتوسطة.
  • حالات «القراءة المتعجّلة» تضاعفت تقريبًا لتبلغ 9%.

أي أن الضعف ليس في القراءة بمعنى فكّ الترميز، بل القراءة بمعنى الحكم والمثابرة على نصّ طويل.

وفي ما يتعلق بالدول العربية فقد انخفض أداء الأردن في القراءة المتعجّلة هو الوحيد الذي ارتفعت قراءته ارتفاعًا كبيرًا (+20)؛ والمغرب الأعلى ارتفاعًا في التعجّل (+6.0) هو الأشدّ تراجعًا في القراءة (‑18).  وفي ضوء انخفاض القراءة في معظم الأنظمة العربية المشاركة، ينبغي ألا تبقى تنمية القراءة مسؤولية معلم اللغة وحده، بل تتحول إلى سياسة عابرة للمناهج تشمل:

  • قراءة النص العلمي وتفسير الأدلة في العلوم.
  • فهم المسألة اللفظية في الرياضيات.
  • المقارنة بين المصادر والتحقق من موثوقيتها.
  • التمييز بين الحقيقة والرأي والادعاء والدليل.
  • التدريب على النصوص الرقمية الممتدة والمتعددة المصادر.
  • بناء قدرة الطلبة على الانتباه المستدام والقراءة المتعمقة.

هذه الأولوية تزداد أهمية في عصر الذكاء الاصطناعي؛ لأن القدرة على تقييم المخرجات الآلية تعتمد أساسًا على امتلاك كفاية قرائية ومعرفية سابقة، لا على إجادة كتابة الأوامر وحدها.

  1. التقنية والذكاء الاصطناعي: من عدّ الأجهزة إلى جودة الاستخدام

تظهر بيانات بيزا أن الاستخدام المحدود أو المعتدل للأجهزة لأغراض التعلم يرتبط غالبًا بنتائج أفضل، بينما يرتبط الاستخدام الترفيهي في المدرسة لأكثر من ساعة يوميًا بأداء أدنى. كما أفاد 28% من الطلبة في متوسط دول منطقة التعاون الاقتصادي بأن زملاءهم يتشتتون بالأجهزة الرقمية في معظم حصص العلوم أو جميعها. أما استخدام الذكاء الاصطناعي، فصورته أكثر تعقيدًا؛ فقد أظهرت النتائج جملة من الاتجاهات:

  • الاستخدام الأسبوعي العام للمساعدة على التعلم يرتبط بأداء قريب من غير المستخدمين بعد ضبط الوضع الاجتماعي والاقتصادي.
  • بعض الاستخدامات المحددة، مثل تلخيص النصوص أو إعداد المسودات أو البحث الأولي، ارتبطت بأداء أدنى.
  • الفرص المدرسية لبناء الثقافة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي أكثر توافرًا لدى الطلبة الميسورين، بما ينذر بفجوة رقمية من نوع جديد.
  • لا تسمح هذه البيانات بإثبات أن الذكاء الاصطناعي أو حظر الهواتف يسببان تحسن الأداء أو انخفاضه.

وبالنظر إلى أداء الدول العربية مقارنة بدول منطقة التعاون الدولي والتنمية الاقتصادية، يتبيّن ما يلي:

  • تقدّم الدول العربية في استعمال الذكاء الاصطناعي مقارنة بمتوسط دول منطقة التعاون الاقتصادي: سجّلت الإمارات 64.3% استعمالًا أسبوعيًا، والسعودية 53.8% (مقابل 45.5%). وفي التدريب على تقييم المخرجات سجّلت الإمارات 81.7% والسعودية 74.8% ولبنان 73.7%  ( مقابل 62.6%).
  • تقدّم الدول العربية على دول منطقة التعاون الاقتصادي في مجال “الحوكمة الرقمية المدرسية “(منع الهواتف، الإرشادات الرقمية الخاصة بكل مادة)
  • ظهور فجوة حقيقية في البنية التحتية؛ حيث انخفض مؤشّر قدرة المدارس الرقمية إلى ‑83 في فلسطين و‑0.82 في كردستان و‑0.72 في لبنان و‑0.65 في المغرب.

وعليه، فإن القرار السليم ليس «المزيد من الأجهزة» ولا «الحظر المجرد»، بل بناء سياسة تتضمن:

  • غرضًا تعليميًا واضحًا لكل استخدام رقمي.
  • قواعد صفية تقلل التشتت.
  • مهامًا تضمن بقاء التفكير لدى الطالب.
  • تدريبًا للمعلمين على اكتشاف الاعتماد المعرفي المفرط على الذكاء الاصطناعي.
  • تقويمًا يختبر الفهم والاستدلال والدفاع عن الإجابة.
  • مؤشرات تقيس جودة الاستخدام، لا عدد الأجهزة أو ساعات الاتصال فقط.
  1. بيئة التعلّم والدعم

كشفت النتائج التي تناولت عوامل متعلقة ببيئة التعلّم (الأسرية والمدرسية) على نتائج جديرة بالاهتمام، أهمّها:

  • تقدّم عامل ” دعم المعلّم ” على متوسط دول منطقة التعاون الاقتصادي والتنمية وبفوارق كبيرة (السعودية 0.82 والأردن 0.66 مقابل 0.03). وهو ارتفاع مضطرد منذ 2015 بما يثبت، خلافا لما هو مشاع، أن  الخلل لا يكمن في العلاقة التربوية.
  • في المقابل كان عامل “الدعم الأسري” دون متوسط دول منطقة التعاون الاقتصادي والتنمية في 6 دول عربية من الثمانية المشاركة، وهو في تراجع مقارنة بنتائج بيزا 2022.
  • ظهور أزمة حضور في المدارس: حيث بلعت نسبة الطلبة الذين صرّحوا بعدم تغيّبهم في السعودية 30.4% ، وفي المغرب 31.9%، وفي قطر 35.8%، وفي فلسطين 40.5% ؛ مقابل 66.1% في متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
  • في مقابل انخفاض نسبة الحضور، تسجل السعودية أفضل مناخ انضباطي (0.77) وأقلّ تنمّر (69.3%) وأعلى انتماء مدرسي (0.43) وأعلى تقدير لقيمة التعلّم (71.4%) في المجموعة كلها، وجميعها فوق متوسط دول منطقة التعاون الاقتصادي بفوارق واسعة . وهي مفارقة تقتضي الوقوف عندها لأنها تستبعد التفسيرات المعتادة التي تربط انخفاض الحضور بوجود بيئة مدرسية غير مناسبة.

الشكل رقم4:. دعم المعلّم مرتفع والدعم الأسري منخفض. إعداد الورقة استنادًا إلى الجدول I.7.

الخلاصة

لا تقول نتائج PISA 2025 إن الأنظمة العربية تقف في موضع واحد؛ بل تكشف عن تقدم يستحق البناء عليه في بعض الدول، واستقرار يحتاج إلى اختراق في دول أخرى، وأزمات تعلم وسياقات استثنائية تستلزم تدخلات مختلفة في دول ثالثة. ورغم ظهور اتجاهات متمايزة بين الدول العربية المشاركة، فقد رجحت عدد من الاتجاهات المشتركة أهمها:

  • اتّساع قاعدة من لا يبلغون الحد الأدنى، وندرة المتفوّقين ندرةً حادّة.
  • ما يبدو إنصافًا هو انضغاط؛ حيث اقترنت مؤشّرات الإنصاف النسبي في المنطقة بانخفاض في الأداء.
  • مفارقة الطموح (ارتفاع) والفضول والتصوّر العلمي (انخفاض)،
  • تراجع القراءة في مهارات الحكم والتكامل والنص الطويل، وهي كفاية واحدة ناقصة تفسّر المسارات الثلاثة معًا.
  • رتفاع دعم المعلّم مرتفع، وتقدّم الحوكمة الرقمية والتدريب على تقييم مخرجات كلها ظواهر تشير إلى أن الخلل ليس يكمن بالضرورة في الموارد ولا في التنظيم، وأنه يجدر البحث عن تفسيرات أخرى.

والاستجابة الرشيدة لا تبدأ بسؤال: «ما ترتيبنا؟»، بل بالأسئلة الآتية:

  • كم طالبًا لا يمتلك الحد الأدنى من الكفايات؟
  • من هم هؤلاء الطلبة وأين يدرسون؟
  • هل نرفع أداء الفئات الأقل حظًا أم نقلص الفجوة بتراجع الفئات الأعلى؟
  • ما التدخلات التي أحدثت أثرًا حقيقيًا وبأي تكلفة؟
  • هل نوسع قاعدة الكفاية وقمة التميز معًا؟
  • وكيف نضمن أن تتحول بيانات التقييم إلى قرارات وممارسات داخل المدرسة؟

إن القيمة الحقيقية للاختبارات الدولية لا تكمن في الأرقام ذاتها، بل في قدرة المؤسسات على تحويلها إلى دورة مستدامة من: التشخيص، ثم التدخل، ثم قياس الأثر، ثم التحسين المستمر.

  1. أجندة عامة لقرارات مقترحة للوزراء والهيئات

الجدول رقم2: الأولويات والقرارات المطروحة على الوزراء والهيئات

مؤشر المتابعة الوزاري القرار المطلوب الأولوية
نسبة الطلبة دون المستوى الثاني في كل مجال وفي المجالات الثلاثة معًا برنامج وطني مكثف للقراءة والحساب والعلوم الأساسية ضمان الحد الأدنى
نسبة الطلبة في المستويين الخامس والسادس برامج إثراء ومسارات متقدمة وفرص متكافئة للطلبة الموهوبين توسيع التميز
مستوى الفئات الأقل حظًا إلى جانب حجم الفجوة تمويل وتدخلات موجهة وفق الحاجة لا وفق المتوسط الوطني الإنصاف الحقيقي
الكفاية القرائية، الاستجابات المتعجلة، المثابرة والانتباه استراتيجية قراءة عابرة للمناهج تحسين القراءة
دعم المعلم، إدارة الصف، زمن التعلم الفعلي تدريب قائم على الممارسة والتوجيه الصفي المستمر جودة التدريس
الاستخدام التعليمي والترفيهي والتشتت وجودة مهام الذكاء الاصطناعي إطار وطني للاستخدام التربوي المسؤول الحوكمة الرقمية
حجم الأثر والتكلفة وعدالة الاستفادة تجريب التدخلات وتقييمها قبل تعميمها قياس أثر الإصلاح
عدد التحليلات الثانوية وأوراق السياسات المنجزة وحدة دائمة لبيانات التقييم وصناعة السياسات القدرة المؤسسية

 

  1. خارطة تنفيذية
خلال أول 100 يوم

 

−   تشكيل فريق وزاري مشترك بين التقييم والمناهج والمعلمين والتخطيط والتمويل.

−   عقد ورش تشخيص ذاتي

−   إعداد لوحة مؤشرات تتجاوز المتوسط والترتيب إلى مستويات الكفاية والتغطية والفجوات.

−   تحليل البيانات الجزئية باستخدام القيم المعقولة والأوزان التكرارية وتصميم العينة.

−   تحديد المدارس والمناطق والفئات التي تتركز فيها مستويات الأداء المنخفض.

−   مراجعة اتساق نتائج PISA مع التقييمات الوطنية والصفية.

−   نشر تقرير وطني يميز بين النتائج المثبتة والاستنتاجات والفرضيات.

خلال 12–24 شهرًا

 

−       تطبيق تدخلات مركزة في القراءة والفهم الرياضي والاستقصاء العلمي.

−       تطوير أساليب التقويم الصفي والأسئلة التي تقيس الاستدلال وتوظيف المعرفة.

−       تنفيذ تدريب مهني مصحوب بالتوجيه والملاحظة الصفية.

−       وضع إطار للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي والأجهزة.

−       إجراء تقييمات شبه تجريبية أو تجريبية لقياس أثر التدخلات.

−       ربط الموارد الإضافية بالفئات والمدارس الأكثر احتياجًا.

خلال 24–36 شهرًا

 

−       تعميم التدخلات التي يثبت أثرها فقط.

−       إيقاف أو تعديل البرامج التي لا تحقق تحسنًا قابلًا للقياس.

−       إدماج مؤشرات النتائج والإنصاف في الموازنة ومساءلة البرامج.

−       إعداد الدولة للدورة اللاحقة باعتبارها فرصة لقياس أثر الإصلاح، لا حملة تدريب على الاختبار

 

 

 

القسم الثاني: من النتائج إلى الأفعال، مساهمة المركز الإقليمي للجودة والتميز في التعليم

يسعى هذا القسم للإجابة على السؤالان الأكثر أهمية بعد صدور النتائج، والذين لا تستطيع دراسة بيزا الإجابة عنهما لوحدها:

  1. كيف تتحوّل هذه النتائج إلى قرار داخل وزارات التربية في الدول العربية؟
  2. وماذا نفعل بشأن ما لا تقيسه بيزا أصلًا، ولا تقيسه لأكثر من ثلثي دول المنطقة؟

لا تتحدّد القيمة الحقيقية للدراسات الدولية عند إعلان النتائج، بل بعده. إلا أنّ الأدبيات أظهرت أن أثر بيانات التعلّم في وضع جداول الأعمال ورصد السياسات كان أوضح بكثير من أثرها في صياغة السياسات نفسها. وفي هذا الإطار توصّلت دراسة مركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميز في التعليم حول “الممارسات الفضلي في التعامل مع الدراسات الدولية واسعة النطاق” كيفية استثمار النتائج في عينة من الدول المرجعية وعينة من الدول العربية، إلى تشخيص  عدد من التحديات المتكرّرة عربيًا أهمّها: التركيز المفرط على الترتيب والمتوسط؛ وضعف ثقافة استخدام البيانات وندرة الكوادر المدرّبة على تحليل بيانات التعلم؛ وقلّة الاستفادة من النتائج رغم كلفة المشاركة؛ وغياب التنسيق بين الدراسات؛ وتأخّر النشر؛ وضعف التعاون المؤسسي بين جهة التقييم وجهات التخطيط والقرار. فضلا عن الانسحاب التام لعدد من الدول العربية من هذه الدراسات تجنّبا لمقارنات لا تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات السياقات الاقتصادية والثقافية والتعليمية. ومن هنا كانت مبادرة مركز اليونسكو بالمبادرة بإطلاق مشروعين رائدين:

  • الإطار التطويري للتعامل مع نتائج الدراسات الدولية واسعة النطاق
  • التقييم الإقليمي لمهارات الطلبة في الدول العربية

أولا: اطار التعامل مع الدراسات الدولية واسعة النطاق:

انطلاقا مما تم رصده من ممارسات فضلى في دراسة “الممارسات الفضلي في التعامل مع الدراسات الدولية واسعة النطاق” ، تمّ وضع إطار تطويري مقترح لتعظيم الاستفادة من نتائج الدراسات الدولية واسعة النطاق، يوفّر أداة تشخيص ذاتي تساعد الدول على تقييم تجاربها في المشاركة في الدراسات الدولية واسعة النطاق تقييما ذاتيا، وبناء عليه اتّخاذ القرارات المناسبة لمستوى نضج كل تجربة: تجربة كامنة، أو ناشئة، أو راسخة، أو متميزة.   وركّز الإطار التطويري المقترح على أربعة محاور متكاملة:

  • محور التّحليل العميق للنّتائج،
  • محور المنهج التشاركي في التّحليل
  • محور صياغة البدائل التطويرية
  • محور العمل الاتّصاليّ

وبما أننا في مرحلة تحليل النتائج، فإنه يمكن الاستفادة من أداة النموذج في تشخيص القدرة التقنية على تحليل البيانات الجزئية

وهو يعتبر عامل أساسي يتطلب بناء قدرات على قراءة القيم، والأوزان التكرارية، وتصميم المعاينة المركّب، وتحليل الأداء التفاضلي للفقرات، وثبات القياس بين المجموعات… وعلى صياغة تقارير ورقات سياسات تستند القرار التعليمي القائم على البيانات.

 

الجدول رقم 3: مصفوفة تمايز القدرة التحليلية حسب مستوى النضج

المستوى الوصف
تجربة كامنة لا تُستعمل ملفات البيانات الجزئية؛ الاعتماد كلّي على الجداول المنشورة.
تجربة ناشئة تُستعمل في تحليلات وصفية، دون توظيف سليم للقيم المعقولة والأوزان التكرارية.
تجربة راسخة توظيف سليم للقيم المعقولة والأوزان وتصميم المعاينة في تحليلات متعدّدة المتغيّرات.
تجربة فضلى قدرة على تحليل الأداء التفاضلي للفقرات، والتحقّق من ثبات القياس بين المجموعات واللغات، وإنتاج تحليلات ثانوية قابلة للنشر المحكّم.

 

الجدول رقم4: مصفوفة التمايز في التعامل مع النتائج حسب مستويات النضج

الوصفة الواحدة للجميع هي المشكلة لا الحل. والجدول يحدّد ما تفعله كل دولة في كل محور بحسب موقعها المشخَّص ذاتيًا:

المحور تجربة كامنة تجربة ناشئة تجربة راسخة تجربة فضلى
التحليل العميق استعمال الحزمة الإقليمية كما هي؛ ابتعاث متدرّبَين للمختبر إنتاج تحليل وطني واحد بإسناد المختبر تحليل وطني شامل متعدّد الأبعاد بكوادر ذاتية الإسهام بالتدريب والإشراف في المختبر
المنهج التشاركي ورشة التشخيص + إشراك جامعة واحدة دعوة مراكز بحثية للتحليل الثانوي إشراك الإدارات المحلّية والمدارس منهجيًا استضافة المؤتمر الإقليمي
صياغة البدائل ورقة سياسات واحدة بقالب المركز ثلاث ورقات + إرساء التقليد منظومة قارّة لتقدير المواقف تغذّي القرار ربط المنظومة بالموازنة والمساءلة
العمل الاتّصالي بيان + دليل الإعلام تقرير وطني بموعد معلن منتجات متمايزة لكل جمهور استراتيجية نشر معتمدة + مناصرة إقليمية

 

الجدول رقم 5: مصفوفو قرارات فارقية وفق مستوى النضج

التجربة الأولوية القرار
تجربة كامنة بناء خط الأساس تحديد جهة مشرفة قارّة، وتشخيص ذاتي أوّلي
الحد الأدنى للتعلّم برنامج مكثّف للقرائية والحساب في المرحلة الابتدائية
القدرة التقنية ابتعاث كوادر للتدريب على تحليل بيانات التقييم
التقييم الوطني إرساء تقييم وطني بسيط قبل التوسّع الدولي
تجربة ناشئة الحد الأدنى للتعلّم تدخّلات مركّزة في القراءة والفهم الرياضي والاستقصاء العلمي
الحضور المدرسي نظام متابعة حضور وتدخّل مبكر
المواءمة ربط التقييم الوطني بالدراسات الدولية موضوعًا ومنهجًا
القدرة التقنية تمكين الوحدة من تحليل البيانات الجزئية
الإنصاف توجيه الموارد وفق الحاجة لا وفق المتوسط الوطني
تجربة راسخة عدالة توزيع الموارد تصحيح التوزيع التنازلي بين المدارس المحرومة والميسورة
تقليص التجزّؤ المدرسي توحيد معايير الجودة وتوزيع المعلمين ومراجعة سياسات القبول
توسيع التميّز برامج إثراء ومسارات متقدّمة بإتاحة عادلة
قياس الأثر تجريب التدخّلات وتقييمها قبل التعميم
الحوكمة الرقمية توسيع التدريب على تقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي وضمان عدالة إتاحته
الانفتاح تحفيز التحليل الثانوي المستقل
تجربة فضلى التحسين المستمر تعميق الشراكة مع الجهات الدولية
المشاركة الإقليمية نقل الخبرة إلى الأنظمة ذات التجربة الكامنة أو الناشئة
الدور الريادي الإسهام بالقدرة السيكومترية في التقييم الإقليمي

 

 ثانيا: التقييم الإقليمي، ماذا يضيف؟

لا شكّ ان الدراسات الدولية القائمة باختلاف مجالات اهتمامها ومنهجياتها، تشكل مصدرا مهما للبيانات التعلّم، وباتت تساهم بقدر كبير في تشكيل السياسات التعليمية في العالم. لكن هذا لا يغني عن الحاجة إلى دراسات إقليمية واسعة النطاق تغطي الجوانب التي لا تغطّيها الدراسات الدولية. ومن أهمّها:

  • المستويات (العمرية أو التعليمية) المستهدفة: حين يقع من 44% إلى 77% من طلبة سن الخامسة عشرة دون الحد الأدنى في المجالات الثلاثة، فهذا يؤكّد أن هناك صعوبات فعلية في المراحل السابقة، وأن رفع الكفاءة في سن 15 سنة يتطلب تقييما مبكرا يتيح التدخّل المبكر لتفادي تراكم الصعوبات، ومن هنا تأتي أهمية المرحلة الابتدائية والصف السادس تحديدا كتتويج لمرحلة التعلمات الأساسية
  • التغطية. أكثر من ثلثي الدول العربية خارج الصورة، وهي في غالبها الأشدّ حاجة إلى البيانات وأقلّها قدرة على تحمّل كلفة المشاركة الدولية. وبالتالي إتاحة المجال لها للمشاركة في تقييمات إقليمية تراعي سياقاتها سيوفر لها فرصة لبناء قدراتها في مجال توفير البيانات واستثمارها في بناء سياساتها التحسينية
  • المضمون. الدراسات القائمة لا تتعامل مع اللغة العربية بوصفها لغة بناء البنية المقاسة، كما أنها لا تأخذ بعين الاعتبار   كفايات المواطنة بالنسبة للمنطقة وما يميزها من قيم ومبادئ مرتبطة بثقافية المنطقة وتراثها وحضارتها. وبالتالي وجود تقييم إقليمي يأخذ بعين الاعتبار هذه الأبعاد يمثل مبادرة مشروعة تكرّس مبادئ اليونسكو التي تدعو إلى الحفاظ على الخصوصيات الثقافية واحترام التنوع الثقافي.
  • المواءمة مع مؤشّر التنمية المستدامة 4.1.1: من خلال تصميم تعريف «الحد الأدنى للكفاية» قابلًا للإسناد إلى المؤشّر 4.1.1 في نهاية المرحلة الابتدائية، بحيث تفي الدولة المشاركة بالتزامها في الإبلاغ العالمي عبر التقييم الإقليمي.

وبالتالي لن يكون التقييم الإقليمي استنساخا للدراسات الدولية، بل مكمّلا لها في عدّة جوانب:

 

الجدول رقم6: مجالات تمايز التقييم الإقليمي ودراستي بيزا وتيمس

المحور التقييم الإقليمي العربي تيمس وبيزا
اللغة العربية لغة بناء البنية المقاسة العربية لغة ترجمة عن بنية مصمَّمة بلغة أخرى
التوقيت الصف السادس ( نهاية المرحلة الابتدائية) الصف الرابع / الثامن
المجالات قرائية ورياضيات وعلوم، بالإضافة إلى المواطنة في أبعادها غير المغطّاة دوليًا بالنسبة للمنطقة رياضيات وعلوم وقراءة
السياق مراعاة المناهج والسياقات التعليمية والثقافية العربية إطار منهجي دولي عام
الكلفة والعبء مصمَّمان لقدرات تلك الدول تحديدًا خارج قدرة عدد من الدول غير المشاركة
بناء القدرات وظيفة أصيلة في التصميم منتَج ثانوي

 

إنّ القيمة الاستراتيجية لمشروع التقييم الإقليمي العربي تكمن في كونه ليس بديلًا عن الدراسات الدولية ولا منافسًا لها. إنه الحلقة المفقودة في سلاسل التقييم القائمة. وهو يسعي إلى أن يحقّق إضافة للمنطقة العربية من خلال:

  • القياس المبكر في الصف السادس قبل تراكم فجوات التعلم.
  • إعطاء اللغة العربية موقعًا أصيلًا في بنية التقييم.
  • مراعاة المناهج والسياقات الثقافية والتعليمية العربية.
  • قياس المهارات الحياتية والمواطنة
  • توفير بيانات دورية قابلة للتحويل إلى سياسات وطنية.
  • بناء خبرة عربية مشتركة في القياس والتحليل السيكومتري.

 

وهنا يستطيع مركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميّز في التعليم أن يؤدي دورًا نوعيًا باعتباره بيت خبرة عربيًا مشتركًا يربط التقييم ببناء القدرات والسياسات، وينقل الدول من مجرد تلقي النتائج الدولية إلى المشاركة في إنتاج المعرفة التعليمية العربية.

المراجع الرئيسة

  1. OECD. (2026). PISA 2025 Results (Volume I): Future-Ready Students. OECD Publishing. https://doi.org/10.1787/73451bc5-en
  2. OECD. (2026). PISA 2025 Assessment and Analytical Framework. OECD Publishing. https://doi.org/10.1787/86c36975-en
  3. OECD. (2025). PISA 2025 Technical Standards.
  4. OECD. (2026). PISA 2025 Results: Country Notes للدول والأنظمة محل القراءة.
  5. OECD. PISA Data and Methodology.

 

  • مركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميّز في التعليم. “دراسة “الممارسات الفضلى في التعامل مع الدراسات الدولية واسعة النطاق”
  • مركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميّز في التعليم. “التقييم الإقليمي لتحصيل الطلبة في الدول العربية” (وثيقة مرجعية)

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى