حين تأتي الطعنة من موضع الأمان

الكاتبة/ أمل بازيد
ماجستير إرشاد نفسي
أقسى الطعنات تلك التي تأتي من اليد التي طالما أمسكنا بها كي لا تسقط. من أولئك الذين كنّا نربّت على أكتافهم، ونشدّ أزرهم، ونقف إلى جوارهم حين تضيق بهم الحياة. كنّا لهم ظهرًا وسندًا، نحفظ أسرارهم ونصون كرامتهم في لحظات ضعفهم، ثم تأتي لحظة نكتشف فيها أن من احتموا بوفائنا لم يصونوا قلوبنا من الأذى.
للخصومة المعلنة حساباتها؛ نعرف موضع الخلاف، ونقدّر المسافة، ونتهيّأ للدفاع عن أنفسنا. أما الأذى ممن اطمأنّ إليهم القلب، فيبلغ موضعًا تركناه بلا حراسة. وتلك قسوة الغدر: أن يأتي الخراب من الجهة التي أوقفنا لأجلها الحرب، وأن نضطر إلى الاحتماء ممن كنّا نلوذ بقربهم.
ولا يقف الوجع عند الموقف الذي كشف الحقيقة؛ إذ يمتدّ إلى ما سبقه. نستعيد أحاديث قديمة، ووعودًا صدّقناها، وتفاصيل حسبناها دليل محبة، ونسأل: متى بدأ الزيف؟ وأيّ المواقف كان صادقًا؟ وحين يسقط القناع، يربك سقوطه حكاية كاملة عشناها بصدق، ويتركنا أمام ذكريات لم نعد نعرف كيف نقرؤها.
ولعلّ أشدّ ما يؤلم في خذلان من ساندناهم أنهم عرفوا منّا ما كان ينبغي أن يمنعهم من إيذائنا. عرفوا حرصنا عليهم، وشهدوا مواقف لم نتأخر فيها عن نصرتهم. ولم نكن ننتظر ثمنًا لما قدّمناه؛ لكننا اطمأننّا إلى أن للمودة حرمة، وأن من وجد فينا سندًا لن يتعمّد كسرنا. لذلك يبدو الغدر استهانة بما كان بيننا، وبالمكانة التي منحناها لأصحابه.
ثم يتسلّل السؤال القاسي: كيف لم نرَ؟ فنعاتب ثقتنا، ونفتّش في طيبتنا عن خطأ يفسّر ما حدث. وقد نكون أغفلنا إشارات، أو بالغنا في التماس الأعذار، وهذه أمور تستحق المراجعة. لكن مسؤوليتنا عن حماية أنفسنا لا تلغي مسؤولية من اختار خداعنا. فصدقنا لم يكن إذنًا بالإساءة، وقربنا لم يمنح أحدًا حقّ استغلال ما عرفه عنّا.
ومن حقّ من خُذل أن يأخذ مسافة يستعيد فيها اتزانه، وأن يعيد النظر في علاقة أُهدرت فيها الثقة. فالتاريخ الطويل يستحقّ التقدير، لكنه لا يُلزمنا باحتمال الأذى المتكرّر، والاعتذار تكتسب قيمته حين تسنده أفعال تصحّح ما حدث. أما العودة لمجرّد الحنين، فقد تعيد الإنسان إلى الوجع نفسه قبل أن يبرأ منه.
ومع ذلك، ينبغي ألّا نسمح لتجربة غدر أن تحكم علاقاتنا جميعًا. حين نحمل الشكّ إلى كل لقاء، ونتراجع أمام كل يد تمتدّ إلينا، يتّسع أثر من خذلنا إلى أيام لم يكن طرفًا فيها. والتعافي يقتضي أن نستعيد قدرتنا على التمييز؛ فنمنح الثقة على مهل، ونراقب اتساق الأفعال مع الكلمات، ونترك للمواقف فرصة الكشف عمّن يستحقّ القرب.
قد نخرج من التجربة أكثر حذرًا وأقلّ اندفاعًا، وقد نتعلّم أن نسحب أيدينا حين يُساء إليها. لكن يبقى لنا أن نحفظ في أنفسنا القدرة على المودة والعطاء؛ فقد كشف الغدر حقيقة من صدر عنه، ولم ينتقص من قيمة الوفاء الذي قدّمناه.
همسة أمل
من خذلك بعدما كنت له سندًا لا يجعل وفاءك خطأ. احفظ لنفسك طيبتها، واجعل لقرب الآخرين منها حدودًا تصونها



