إعلان مدفوع

إعلان
اعلانك يحقق اهدافك لاتتردد
ثقافة و فن

جودَت درويش… حين ترفض الأشياء أن تغيب .. قراءةٌ في تجربة تتّسع للمكان والإنسان والطبيعة

بقلم : محمد توفيق صعابنة

دخلت مركز سلمى للفنون، ولم أكن أعلمُ أنّ وراء إحدى عتباته مدينةً أخرى تتجاور فيها الأزمنة وتتكاثر الوجوه، وتغادر الكائنات أمكنتها لتقيم في ضيافة اللون هناك، في ورشته الفنية .. كان الفنان التشكيلي جودت درويش محاطا بلوحاته من كلّ جانب، كأنّ العالمَ الذي عبر عينيه لم يجد متّسعًا خارجهما، فاستعار من القماش جغرافيا جديدة: رواشين جدّة العتيقة بأخشابها التي حفظت هندسة الغياب وبيوت تنحني على ذاكرة الأزقّة، ووجوهٌ تستبقي من أصحابها ما تعجز عنه المرايا، ونساء يعبرن مسافةً غامضة بين الموسيقى والصمت وخيولٌ وجِمال وطيورٌ وأزهار، وأشياء يوميّة تخلع عاديّتها حين تمسّها الفرشاة
أدهشني هذا التعدّد، واستوقفتني قدرة الفنان على التنقّل بين موضوعاتٍ تتطلّب مهارات مختلفةً وحساسيّات متباينة لكنّ الدهشةَ، مهما بلغت لا تعفي العين من واجب التأمّل؛ فالإشادة التي تعرف أسبابها أصدق من مديحٍ عابر، والنقدُ الذي يعرف حدوده وجه آخر من وجوه الإنصاف


ينتمي درويش إلى الواقعيّة، غير أنّ هذه التسمية على اتّساعها لا تكفي لتفسير تجربته فالواقعيّة ليست امتحانًا في مطابقة المرئيّ، ولا بطولة تؤدّيها الأصابعُ كلّما اقتربت من دقّة الصورة إنّها في أنضج تجلّياتها اختيارٌ لما يستحقّ أن يرى، وللكيفيّة التي يحضر بها على السطح واللافت في أعماله إصرار على استبقاء ملامح الأشياء والعناية بدقائقها، كأنّ غياب تفصيلٍ واحد ينقصُ من اكتمالها فهو لا يطارد الشكل وحده، بل يتشبّث بما يمنحه هويّته
وليس هذا الولع طارئًا على تجربته فقد تحدّث في لقاء نشرته صحيفة «الرياض» عام 2024 عن تعلّقه المبكّر برسم الوجوه، وعن ممارسته البورتريه منذ أكثر من أربعة عقود مؤكّدًا أهمّيّةَ الدقّة في التقاط الملامح، وأنّ كلّ عمل جديدٍ درس في اكتشاف الأخطاء في هذا ما يضيء جانبًا من فلسفته: عين لا تكتفي بالنظرة الأولى، ويدٌ لا تغنيها الممارسة الطويلة عن مراجعة نفسها وتبدو آثار هذه القناعة في كثير من لوحاته إذ تتجاورُ عناية اليد وصبر العين، وتغدو التفاصيل الصغيرة جزءًا من هويّة العمل
المدينة بطلة اللوحة
في مجموعة (تراثيّات جدّة) يتقدّم المكان إلى الواجهة، لا خلفيّةً للأحداث بل كائنا يحملُ على جسده آثار العابرين الرواشين والشرفات المتراكبة والأقواس والنوافذ والأبواب تتآلف في بناءٍ بصريّ شديدِ العناية بالتفصيل المعماري وحين تتجاور الفتحات والظلال والخطوط العموديّة تنشأ موسيقى هندسيّةٌ لا تسمعها الأذن بل تتلقّاها العين من انتظام الكتل وتناوبِ الضوء والعتمة
ويبرع درويش في عددٍ من هذه اللوحات في بناء التكوين المعماري، وتوزيع الكتل بين المقدّمة والعمق، واستثمارِ التباين اللونيّ لإبراز العناصر الرئيسة ففي لوحات الرواشين الخضراء يخرج الأخضر من وظيفته الزخرفيّة ليصير قوّة ناظمةً تشدّ أجزاء اللوحة بعضها إلى بعض فيما تمنح الجدرانُ الفاتحة تلك الكتل الخشبيّة حضورا جليًّا وفي أعمال أخرى تتقدّم الرواشين البنّيّة من واجهاتٍ بيضاء أو ترابيّة، فتنعقدُ علاقة متوازنةٌ بين صلابة الحجر ودفء الخشب
وتبلغ هذه النزعة ذروتَها في لوحته الكبيرة لمشهدٍ من جدّة القديمة إذ لا يكتفي بالعمارة، بل يدفع إلى الشارع عربات ودوابّ وباعةً وعابرين فتغدو الواجهات الصامتة فضاء مأهولًا بالحركة تتراجع الأزقّة نحو العمق، وتتقدّم المباني كأنّها تراقبُ الحياة الجارية عند أقدامها وعلى ما في اللوحة من ازدحام تجمع مفرداتٍ كثيرة في مشهدٍ واحد دون أن تفقد موضوعها
غير أنّ طغيان العمارة يمنح النوافذَ والرواشين النصيب الأوفر من العناية، فيما تبدو بعض الأجساد والحركات أكثر اختزالًا في النّسب والتفاصيل وقد يكونُ ذلك اختيارا واعيًا يمنح المدينة بطولة المشهد فليس المطلوب أن تتساوى العناصر في الدقّة بل أن تتآزر في صنع حياة بصريّةٍ متماسكة، وهو ما تقترب منه اللوحةُ بما تقيمه من حوار بين الحجر والعابرين، وإن ظلّت الصلة بين الشخوص وعمرانها قابلةً لمزيد من التآلف
على أنّ قيمة هذه المجموعة تتجاوز الصنعة فاستحضارُ جدّة التاريخيّة يحفظ شيئًا من هيئة المدينة وملامح عمرانها، ويعيد تقديمه لأجيال تعرفه من الصور أكثر ممّا تعرفه بالمعايشة واللوحةُ هنا ليست سجلًّا هندسيّا محايدًا بل رؤية منتقاةٌ للواقع؛ وكلّما اقترب درويش من تفاصيل الحياة اليوميّة اتّسع هذا العالم المرسوم، ونطقت الجدران بما شهدته من حيوات وتحوّلات
الوجه وما وراءه
وحين يغادر الفنان المدينةَ إلى الإنسان تتبدّل أدوات المواجهة فالوجه ليس هندسةً ثابتة، بل تضاريس تتداخل فيها الشخصيّة والتجربة والانفعال وتكشفُ بورتريهات درويش عناية ظاهرةً ببناء الوجه وبملمس البشرة والشّعر والثياب والزينة، وقدرة على تحقيق الشّبه وإبراز ما يمنح كلّ شخصيّةٍ فرادتها إذ تتقدّمُ العيون وتعابير الوجه ويغدو التباين بين البشرة والخلفيّة وسيلة لشدّ انتباه المتلقّي
ويبلغ البورتريه مرتبته الأعمقَ حين يتجاوز التعرّف إلى الشخصيّة إلى الإحساس بحياتها الداخليّة وفي أنجح أعمال درويش تلتقي الدقّة بالإيحاء، فيبدو الوجه حاضرًا ومضمرا في آن وفي بعضها الآخر تتقدّم دقّةُ الشّبه ويحضر البعد النفسيّ بدرجاتٍ متفاوتة وهذا تمييز بين مستويين من التعبير لا انتقاصٌ من المهارة؛ فثمّة فرق بين أن تجعلنا اللوحة نتعرّفُ إلى الوجه، وأن تجعلنا نلمح شيئًا من عالمه المستتر
ومن أكثر ما استوقفني لوحة امرأةٍ تمضي حافية، تحمل كمانًا في يد وقوسَه في الأخرى، وتدير ظهرها إلينا وقد انسدل شعرها على كتفيها ومن حولها فراغٌ رماديّ يكاد يخلو من كلّ تفصيل هنا يقتصد الفنان اقتصادًا لافتا: لا جمهور، ولا مسرح، ولا عزف ولا حكايةٌ مكتملة وحدَها امرأة تسير، وآلةٌ فقدت صوتها إلى حين وليست قيمة اللوحة في براعة تصوير الكمان بل في العلاقة بين حركة الجسد وسكون الآلة والفراغ المحيط بهما كأنّ الموسيقى غادرت أو لم تبدأ بعد، وتركت للمشاهد أن يصغيَ إلى ما لا تقوله الصورة
وفي لوحة عازفة البيانو معالجةٌ مغايرة: ضوء دافئٌ ينساب على الآلة والمرأة، فيمنح المشهدَ حميميّة تخلو منها لوحة الكمان قصدًا هذه تستبقي الموسيقى في لحظة أدائها، وتلك تضعنا أمام صمتها المحتمل وفي المسافة بينهما يتجلّى أثمن ما في تجربة درويش: قدرته حين يحسن الاقتصاد، على الانتقال من وصف الموضوع إلى بناء حالة شعوريّة وهي منطقةٌ جديرة بأن تتّسع في اشتغاله
الكائنات والأشياء
ولا يحضر الحيوان عنده عنصرًا طبيعيّا فحسب، بل يدخلُ أحيانًا في علاقة غير مألوفةٍ مع المكان ففي لوحة الحصان المندفع عبر نافذة مفتوحة تكاد الكتلة الحيوانيّة تخرق المنطق المعتاد للفضاء المعماري، فينشأ توتّرٌ بين اندفاع الجسد وضيقِ الفتحة وهنا يبتعد الفنان عن المألوف في تصوير الحيوان ويفتح للصورة باب التأويل دون أن يلزمها بمعنى واحد
وفي لوحة الجمل أمام الباب الأزرق يقوم التكوين على تباينٍ بين زرقة الباب وترابيّة الجسد، وعلى مواجهة بين هندسة العمارة وعضويّة الحيوان أمّا لوحةُ الجملين المتلامسين فتقوم على التقارب والحركة الهادئة وتنجح هذه الأعمال بدرجاتٍ متفاوتة، في تحويل الحيوان من موضوع للرسم إلى مركز علاقةٍ بصريّة أو وجدانيّة، مع ملاحظاتٍ محدودة على دقّة بعض النّسب والتفاصيل التشريحيّة
وتأخذ الطبيعة الصامتةُ نصيبها من هذا العالم، كاشفةً عن حساسيّة الفنان للّون والملمس في لوحة الطائر فوق الغصن تشتعل الخلفيّة بخضرة مضيئة، تتقدّم عليها الألوان الذهبيّة والسوداء والحمراءُ في تركيبٍ زخرفيّ أخّاذ وفي الزهور البيضاء داخل الإناء المزخرف تنهض البتلات من عتمةٍ كثيفة فيغدو التباين بين البياض والسواد مصدر قوّتها وتغلب هنا نزعة الاحتفاء بجمال الموضوع وصفائه الحسّيّ على نزعة إعادة تأويله؛ وتلك سمة من سمات هذا الجانب من تجربته، لا موطن ضعفٍ في ذاتها
بين المهارة والرؤية
يجمع هذه الموضوعات المتباعدةَ ميلٌ إلى الوضوح، وألوان تمنح الأشياء حضورًا مباشرا فدرويش لا يفكّك الشكل ولا يلغي مرجعيّته ولا يثقلُ اللوحة بغموضٍ رمزيّ متكلّف وهي خصيصةٌ تمنح أعماله قربا من المتلقّي وصدقًا في مخاطبته، وإن كان الحرص على استيفاء التفاصيل يضيّق أحيانا ما يوحي به المحذوف فاللوحةُ لا تحتاج دائمًا إلى كلّ ما تراه العين وللفراغ أن يقول وللظلّ أن يكمل ما يبدؤه الضوء
ويتفاوت الضوء والعمقُ بين الأعمال ففي لوحاتٍ تتماسك العلاقات الضوئيّة فتمنح الكتل استدارتها، وفي أخرى تبدو الصلة بين المقدّمة والخلفيّة أقلَّ إحكاما مع اختلافٍ في ضبط بعض النّسب وهذه ملاحظات تقنيّةٌ لا تلغي ما في التجربة من صبر ومعرفة، بل تدلّ على المسافة الطبيعيّة بين ما أنجز وما يظلُّ الفنان قادرًا على بلوغه
يبقى سؤال الشخصيّة التشكيليّة لقد طوّر درويش حضورًا واقعيّا تتتبَّع ملامحه في احترام الشكل، والعناية بالتفصيل، والانجذاب إلى ما يتّصل بالذاكرة والجمال المألوف ولا يبدّد تنوّعُ الموضوعات هذه الملامح بل يمتحن قدرتها على الظهور في حقولٍ متباعدة، وإن تفاوتت قوّة التعبير من لوحة إلى أخرى وأحسب أنّ المجال الأخصب لتطوّر تجربته يكمن في توسيع ذلك الخيط الشخصيّ الذي يصلُ المهارة بالرؤية
وليس من الإنصاف أن نطالبه بهجر واقعيّته ليصير أكثرَ حداثة فالحداثة ليست خروجًا آليّا على الشكل، ولا يقاس التجديد بعدد القواعد المكسورة ما يستحقّ السؤال هو مقدار الحرّيّة التي يمنحُها الفنان لنفسه داخل اختياره: أن يظلّ وفيًّا للمرئيّ دون أن يصير أسيرا له وأن يأذن لذاكرته وخياله بمشاركة عينه في صنع اللوحة
خرجت من ورشة جودت درويش موقنًا بأنّ تجربته غنيّة، لا بتعدّد موضوعاتها وكثرة تفاصيلها وحدَهما، بل بما تكشفه من صبر على العمل واتّساعٍ في الاهتمام، وإسهام ملموسٍ في استعادة صورة المكان والإنسان والطبيعة ففي أعماله شهادة لرسّامٍ متمرّس ينصت إلى التفاصيل، ويمنح التراث وجهًا مرئيّا والصمت هيئةً في أجمل مشاهده وإن فتحت بعضُ اللوحات بابا لمزيدٍ من التجريب والاختزال، فذلك علامة تجربة حيّةٍ لم تستنفد إمكاناتها، تبلغ ذروتها كلّما اقتربت المهارة من المغامرة والعين من تلك المنطقة التي لا يصف فيها الرسمُ الأشياء، بل يكشف ما استتر في حضورها
وذلك هو الرهان الأجمل في الفنّ: ألّا تكتفيَ اللوحة بأن تحفظ للعالم ملامحه، بل أن تمنحه سببًا جديدا كي يرى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى