شيءٌ بين الحقيقة والخيال…

مزينة عياش
بعد يومٍ متعبٍ وشاقّ،
عدتُ إلى غرفتي…
تلك البقعة الصغيرة من العالم التي لا أجد السلام إلا بين جدرانها.
ألقيتُ بأثقال يومي على حافة سريري، وتركتُ لجسدي العنان ليستريح، بينما ظلّ فكري يقظًا، يجوب أرجاء حياتي، ويتأمل كل ما حولي…
وفجأة…
في عتمة الليل، وبينما كنتُ غارقةً في شرودي، امتدّت نحوي يدٌ ثقيلة، وربّتت على كتفي برفق.
انتفض جسدي فزعًا!
تسارعت أنفاسي، والتفتُّ حولي في ذهول…
لكنّ المكان كان خاليًا، لا أحد فيه سواي.
ومع ذلك، كان هناك شيءٌ ما…
شعورٌ غريب يراودني بأن أحدهم يراقبني، يقترب مني، ويحاول الوصول إليّ.
أنفاسٌ دافئة كأنها تلامس أذني،
وهمساتٌ مبهمة تتسلّل إلى سمعي، لا أكاد أتبين كلماتها، لكنها كانت تحمل شيئًا من الألفة، وشيئًا من الغموض، والكثير من الخوف.
تسلّل الرعب إلى أعماقي، ومددتُ يدي المرتجفة نحو المصباح الصغير بجانبي، فأضاء ضوؤه الخافت أركان الغرفة.
نظرتُ حولي مرةً أخرى…
لا أحد!
صمتٌ مطبق، وسكونٌ ثقيل، وغرفةٌ لا تضمّ سوى امرأةٍ أنهكها التعب، وأثقلتها أفكارٌ لا تجد لها مخرجًا.
تساءلتُ في حيرة:
أكان هناك حقًا من يشعر بي؟
من يقترب مني حين أحتاج إلى القرب، ويهمس لي حين يخذلني الصمت؟
أم أنّ كل ذلك لم يكن سوى خيالٍ نسجه عقلي في لحظة احتياج؟
ياااه…
ما أصعب أن تعيش بين أناسٍ كثيرين، بينما تشعر في أعماقك أنّك وحيد!
أن تمرّ بك الأيام، وتزدحم حولك الوجوه والأصوات، دون أن تجد روحًا واحدةً تستطيع أن تضع بين يديها ما يثقل قلبك، دون أن تضطر إلى الشرح، أو التبرير، أو ادّعاء أنّك بخير.
ما أصعب أن تفرح، فلا تجد من يشاركك فرحتك كما ينبغي…
وأن تحزن، فلا تجد من يقرأ حزنك خلف ابتسامتك.
أن تحمل في داخلك عالمًا كاملًا من الأفكار والمخاوف والأمنيات، ولا تجد من يطرق بابه برفق، ويقول لك: أنا هنا، تحدّث، فأنا أشعر بك.
أترانا تغيّرنا؟
أم أنّ العالم من حولنا هو الذي تغيّر؟
أصبحت الوجوه متشابهة، والمشاعر شاحبة، والأجساد تمضي في طرقاتها كأنها تؤدي أدوارًا اعتادت عليها، دون أن تتوقف لحظةً لتتساءل: هل نحن بخير حقًا؟
صرنا نلتقي كثيرًا، ونشعر قليلًا…
نتحدّث طويلًا، ونقول القليل مما يسكننا حقًا.
وكأنّ كلّ واحدٍ منّا يعيش في عالمٍ موازٍ، تحيط به الجموع، ولا يسكنه في الحقيقة أحد.
عالمٌ نبحث فيه عن يدٍ تربّت على أكتافنا، لا لتوقظنا من شرودنا، بل لتخبرنا أنّنا لسنا وحدنا.
عن صوتٍ يهمس لنا في عتمة الأيام، لا لنخاف منه، بل لنطمئنّ إلى أنّ هناك من يشعر بوجودنا.
وربما…
حين يطول بنا الانتظار، ويشتدّ احتياجنا إلى الدفء، نصنع في خيالنا ما تعجز الحياة عن منحه لنا.
نرسم ملامح من نحتاج، ونختلق حضورًا يبدّد وحشتنا، ونمنح الصمت صوتًا، والعتمة يدًا، والفراغ روحًا…
لا لأننا فقدنا عقولنا،
بل لأنّ في داخلنا أشياء كثيرة لم تجد من يسمعها، وأحاسيس طال بها الوقوف على أبواب الآخرين حتى أرهقها الانتظار.
أطفأتُ المصباح، وعدتُ إلى عتمتي…
لكنّ السؤال ظلّ معلّقًا في رأسي، يطوف حولي كطيفٍ لا أستطيع الإمساك به.
أأنا أعيش هذا وحدي؟
أم أنّ كلّ واحدٍ منّا يرسم في خياله ما يعجز عن العثور عليه في واقعه؟
وهل ما نشعر به هو الحقيقة التي لا يراها أحد…
أم أنّنا، من فرط احتياجنا، أصبحنا نخلط بين ما نتمنّاه وما يحدث فعلًا؟
لا أدري…
كلّ ما أعرفه أنّني في تلك الليلة، كنتُ أبحث عن إجابة، ولم أجد سوى مزيدٍ من الأسئلة.
والآن…
أترك لكم الإجابة:
هل نحن حقًا نعيش ما نراه ونشعر به،
أم أنّ لكلٍّ منّا عالمًا خفيًّا يصنعه خياله، ليمنحه شيئًا من الحياة التي يفتقدها؟
أم أنّ الحقيقة، في بعض الأحيان، أكثر غموضًا من الخيال؟؟



