555

إعلان مدفوع

إعلان
مقالات و رأي

لا للشللية في العمل الخيري والتطوعي

اعلانك يحقق اهدافك لاتتردد

بقلم / أحمد القاري
المدينة المنورة

لا شك أن التسابق إلى الخيرات من أعظم القيم التي حث عليها ديننا الحنيف، وجعلها الله سبحانه وتعالى ميداناً للتنافس بين عباده، فقال في محكم التنزيل: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ ، فالعمل التطوعي رسالة عطاء، والقيادة أخلاق قبل أن تكون منصباً.
ومن هذا المنطلق نشأت الجمعيات الخيرية والفرق التطوعية، حاملةً رسالة سامية، وغاية نبيلة، أساسها ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى أولاً، ثم خدمة الإنسان، ومد يد العون للمحتاج، وإيصال المعونات إلى مستحقيها، ونشر الوعي والمعرفة، وتقديم المبادرات التي تعود بالنفع على الأفراد والمجتمع.

وما أجمل أن تتسابق هذه الجهات في ميادين العطاء، وأن تتنافس في ابتكار المبادرات، وتوسيع دائرة المستفيدين، وتقديم أفضل الخدمات؛ فالمنافسة المحمودة هي التي تجعلنا أكثر بذلاً، وأوسع أثراً، وأصدق إخلاصاً.
ولكن.. هل كل منافسة في ميدان العمل الخيري منافسة محمودة؟

المتأمل في واقع بعض الجمعيات الخيرية والفرق التطوعية في الآونة الأخيرة قد يلحظ ظهور بعض الممارسات التي لا تنسجم مع الأهداف التي أُنشئت من أجلها هذه الكيانات، ومنها الانغلاق على الذات، والتكتلات، والشللية، وعدم تقبل العمل المشترك مع الفرق والجمعيات الأخرى، وكأن النجاح لا يتحقق إلا بمعزل عن الآخرين! وهنا تكمن المشكلة.

فالعمل التطوعي ليس ملكاً لشخص، ولا حكراً على مجموعة، ولا ميداناً لإثبات النفوذ أو صناعة الأسماء، وإنما هو رسالة إنسانية ومجتمعية تتسع للجميع.
ولا يمكن لجمعية أو فريق أن يحقق كامل أهدافه بمعزل عن منظومة التعاون والتكامل مع الآخرين.

إن الانغلاق في مثل هذه الأعمال ليس ظاهرة صحية، ولا يخدم المصلحة العامة، بل قد يحوّل العمل التطوعي من رسالة عطاء إلى دائرة ضيقة تحكمها العلاقات الشخصية والمزاجية الإدارية، فالقيادة تصنع ثقافة الفريق، وهذه من الأمور التي تستحق الوقوف عندها أن سلوك الفريق في كثير من الأحيان هو انعكاس مباشر لسلوك قائده؛ فإذا كان القائد واسع الصدر، متسامحاً، متعاوناً، محباً للخير، ومحتوياً للآخرين، انعكست هذه الصفات على أعضاء فريقه، وأصبحوا أكثر قبولاً للشراكة والعمل الجماعي.
أما إذا كان القائد منغلقاً، لا يرى إلا فريقه، ولا يقبل نجاح الآخرين، وربما جعل من العزلة منهجاً، ومن التكتل أسلوباً، فإن هذه الثقافة سرعان ما تنتقل إلى الأعضاء، وتتحول إلى سلوك مؤسسي يضر بالعمل التطوعي ويضعف أثره.

ولذلك، فإن من الأهمية بمكان أن يَدرس من يتطلع إلى تأسيس جمعية خيرية أو فريق تطوعي نفسَه أولاً، وأن يتأمل طباعه وقدرته على القيادة، قبل أن يتقدم لهذا الدور المهم، متذكراً أن القيادة مسؤولية وأمانة، وقدرة على الاحتواء، وحكمة في التعامل، واستعداد لتقديم المصلحة العامة على الاعتبارات الشخصية، لا اعتبار فيها للقب إداري، ولا كرسي يتصدر به صاحبه المشهد.

ومن أبرز صفات القائد الناجح أن يكف لسانه عن الإساءة إلى الآخرين، وألا يجعل من الحديث عن عيوب الجمعيات والفرق الأخرى وسيلة للظهور أو إثبات التفوق، فالقائد الحقيقي يرتقي بأخلاقه قبل إنجازاته، ويُعرَف بما يبنيه لا بما يهدمه، وبما يجمعه لا بما يفرقه.

إن الدولة – أعزها الله – أولت العمل الخيري والتطوعي عناية كبيرة، وهيأت له الأنظمة والبرامج والدعم والتمكين، إيماناً منها بأهميته في بناء مجتمع حيوي متعاون، وتعزيز المسؤولية المجتمعية، وترسيخ قيم البذل والعطاء، والمنتظر من هذه الجمعيات والفرق أن تكون على قدر هذه الثقة، وأن تقدم نماذج مشرّفة في التنظيم والتعاون وخدمة المجتمع.

ونحن في هذه البلاد المباركة، التي تستقبل ملايين الزوار والمعتمرين والسياح، أمام مسؤولية عظيمة تتجاوز حدود المبادرات الموسمية والأنشطة المحلية؛ فخدمة ضيوف الرحمن، والعناية بالزائرين، ومساعدة المحتاجين، وإرشاد القادمين، وتيسير رحلاتهم، كلها ميادين واسعة تتطلب تكاتف الجهود وتكامل الأدوار، وما أجمل أن تجد جمعية خيرية أو فريقاً تطوعياً يمد يده إلى جهة أخرى، ويتعاون معها، ويستفيد من خبراتها، ويبادلها التجارب، دون حساسية أو تحسس من نجاح الآخرين، إذ أن النجاح الذي يتحقق بالشراكة نجاح مضاعف، والأثر الذي تصنعه الأيدي المتعاونة أعمق وأبقى من أثر العمل الفردي المنغلق.

ولعل من المهم أن ندرك أن الاختلاف في أساليب العمل لا يعني الاصطدام والخصومة، وتعدد الجهات لا يعني التنافس العدائي، ونجاح فريق لا ينتقص من نجاح فريق آخر ، بل قد يكون حافزاً لهم لتقديم الأفضل، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم ﴿ولا تنازَعوا فتَفشَلوا وتذهبَ رِيحُكم﴾ ، وأوجد سبحانه الحلولَ الشرعية فقال عز من قائل ﴿وتعاوَنوا على البِرِّ والتقوىٰ ولا تَعاوَنوا على الإِثمِ والعُدوان﴾، وهذه الآية الكريمة قاعدة عظيمة ينبغي أن تكون أساساً لكل عمل خيري وتطوعي، وفي المثل الشعبي: «قومٌ تعاونوا ما ذلّوا»، وهي عبارة تختصر حكمة اجتماعية عميقة، مفادها أن القوة الحقيقية تكمن في اجتماع الكلمة وتكاتف الأيدي.

إننا بحاجة إلى قيادات تدرك أن العمل التطوعي ليس ساحة للتنافس على الظهور، ولا ميداناً لتصفية الحسابات، ولا مجالاً لتكوين الشلل والتكتلات، وإنما هو ميدان للتسابق إلى الخير، وتقديم المنفعة، وترك الأثر الطيب.
كما أن من المهم أن ترتقي القيادات بأحاديثها وتصرفاتها، وأن تبتعد عن الانتقاص من الآخرين أو التشكيك في جهودهم، وأن تجعل من الاحترام المتبادل جسراً للتواصل، ومن الشراكة وسيلة لتعظيم النتائج.
فالتكتلات والشللية والإقصاء تتعارض مع روح العمل المؤسسي، ولا تنسجم مع المبادئ والأنظمة التي تحكم العمل الأهلي والتطوعي في هذه البلاد المباركة.

وأخيراً .. إن العمل التطوعي شرفٌ ومسؤولية، والقيادة فيه أمانة قبل أن تكون وجاهة، ومن يتصدر لخدمة الناس ينبغي أن يكون أول الناس تواضعاً، وأوسعهم صدراً، وأكثرهم قبولاً للآخرين.

فلا تجعلوا من الجمعيات جزراً منعزلة، ولا من الفرق التطوعية كيانات متنافسة على الأشخاص والمكانة، بل اجعلوا منها منظومة متكاملة تتسابق إلى الخير، وتتعاون على البر، وتتحد في خدمة الإنسان والوطن.

ولنتذكر دائماً أن الأجر عند الله لا يُقاس بعدد الصور المنشورة، ولا بحجم الحضور الإعلامي، ولا بعدد الأسماء المتصدرة للمشهد، وإنما بالإخلاص والنية الصادقة وحقيقة النفع الذي يصل إلى الناس.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكتب الأجر والمثوبة لكل من بذل جهداً، أو قدم وقتاً، أو سخر خبرة، أو مد يد العون في سبيل خدمة الدين والوطن وأبنائه والمقيمين على أرضه وضيوفه وزواره، وأن يبارك في جهود القائمين على الجمعيات الخيرية والفرق التطوعية، وأن يرزق قياداتها الحكمة وسعة الصدر والإخلاص، وأن يجمع القلوب على الخير، ويوحد الجهود على ما فيه صلاح البلاد والعباد.
فحين تتحد القلوب، تتعانق الأيدي، وتتكامل الجهود، ويصبح العطاء أكبر من الأسماء، وتصبح رسالة الخير أسمى من كل اعتبار، ولنقل بصوت واحد: لا للشللية، ولا للانغلاق التطوعي، ولا للمنافسة المذمومة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى