الكاتبة/ أمل بازيد
ماجستير إرشاد نفسي
قد يملأ أحدهم المكان بصوته، لكن الحاضرين يتذكرون حدّته أكثر مما يتذكرون حجّته. ويتحدث آخر بكلمات قليلة، فيترك فيهم ما يستحق التأمل. وبين المشهدين يبرز سؤال: ما الذي يمنح الإنسان هيبته؛ طريقته في لفت الأنظار، أم ما تكشفه المواقف عن شخصيته؟
نُسارع أحيانًا إلى وصف الإنسان بأنه قوي الشخصية لأن صوته مرتفع، أو لأن أحدًا لا يجرؤ على مخالفته. وقد نُعجب بسرعة ردّه وحدّة عبارته، دون أن نتأمل ما يتركه في الآخرين من حرج أو نفور. لكن إسكات من أمامنا لا يعني أننا أقنعناه، والخوف من ردود أفعالنا لا يمنحنا احترامًا حقيقيًا.
تظهر قوة الشخصية حين نتعرض لما يستفزنا؛ في قدرتنا على فهم ما نشعر به، ومنح أنفسنا فرصة لاختيار الرد. أن نختلف بوضوح، ونرفض بحزم، ونحفظ حدودنا دون أن نجعل الإساءة وسيلتنا للدفاع عنها. وهذه قدرة تحتاج إلى وعي وممارسة، خاصة حين تكون الكلمة الجارحة أقرب إلى اللسان من العبارة المتزنة.
ولا يعني ضبط النفس أن نبتلع الأذى أو نخفي غضبنا خلف ابتسامة مرهقة؛ فمن حق الإنسان أن يعترض، وأن يقول: «هذا الأسلوب لا أقبله»، وأن ينهي حوارًا تجاوز حدود الاحترام. فالهدوء الذي يحفظ الكرامة تصاحبه حدود واضحة، وإلا تحوّل إلى صمت يدفع صاحبه ثمنه وحده.
أما الكاريزما، فكثيرًا ما نختزلها في مظهر لافت أو طريقة مدروسة في الكلام، مع أن عمق الحضور يتجلّى في حسن الإصغاء، والاهتمام بمن نتحدث إليه، واتساق السلوك مع القول. قد يجذبنا شخص في اللقاء الأول، ثم تكشف مخالفتنا له مقدار ما يتسع له صدره، وما إذا كان لطفه خُلقًا راسخًا أم صورةً يجيد تقديمها.
وفي القيادة، يظهر هذا الفارق بوضوح؛ فهناك من ينتزع موافقة الحاضرين، لكنه لا يسمع آراءهم الحقيقية لأنهم تعلّموا أن الاختلاف معه مكلف. وهناك من يمنحهم أمان السؤال والاعتراض، فيكسب مشاركتهم وثقتهم. والقيادة المؤثرة تحتاج إلى شجاعة سماع ما قد لا يرضينا، وإلى عدل يطمئن معه الناس إلى أن اختلافهم لن يُحسب عليهم.
ولعل أصعب اختبارات القوة أن نكتشف خطأ رأينا أمام الآخرين. هنا يغري العناد صاحبه بمواصلة الدفاع، وكأن التراجع ينتقص من مكانته. لكن قول: «كنت مخطئًا» يحتاج إلى ثقة بالنفس، وإدراك أن قيمتنا أوسع من رأي طرحناه. ومن يراجع موقفه حين يتضح له الصواب يثبت أن الحقيقة عنده أهم من الانتصار لنفسه.
الهيبة التي تبقى تتكون من تفاصيل متكررة: وعد نفي به، وخلاف نحفظ فيه كرامة من أمامنا، وحق نرده إلى صاحبه، واعتذار نقدمه دون مراوغة. ومع الوقت، تصبح هذه المواقف شهادة على صاحبها؛ فيُحترم حضوره، وتُصان مكانته حتى في غيابه.
همسة أمل
حين يستفزك موقف، امنح نفسك لحظة تسأل فيها: أيّ ردّ يشبه قيمي ويحفظ حقي؟ قد تحتاج إلى كلمة حازمة، أو مراجعة صادقة، أو انسحاب يحمي كرامتك. اختر ما تستطيع أن تتذكره لاحقًا وأنت مطمئن إلى نفسك؛ ففي تلك اللحظة التي تملك فيها ردّك، تمنح قوتك معناها





