مقالات و رأي

تأملات في تصريح إيلون ماسك ومستقبل العمل الإنساني.

“حين تخيفنا الخوارزميات… هل نحن أمام نهاية المهن أم ولادة إنسان جديد وهل سيأكل الذكاء الإصطناعي وظائفنا ؟؟”

بقلم:بروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ جامعي سابق – مستشار التخطيط الإستراتيجي والقيادة.
شاهدت مقطعاً ، ولم يكن مقطعًا عادياً الذي شاهدته للمليادير الأمريكي إيلون ماسك، حين تحدّث بلهجة واثقة عن أن الذكاء الإصطناعي “سوف يأخذ كل الوظائف بل وذهب إلى أبعد من ذلك حين أشار إلى أن تخصصات حساسة ودقيقة كالجراحة في الطب لن تكون إستثناء من ذلك.. الحقيقة كان التصريح صادماً، ليس فقط لأنه صادر عن رجل معروف جداً ويقف في قلب الثورة التقنية، بل لأنه حمل تصريح بنبرة حتمية، وكأن مصير الإنسان المهني قد كُتب وانتهى.

هذا المقطع، بما أثاره في داخلي من قلق وأسئلة، دفعني إلى الغوص في دراسات وقراءات متعددة، لا بحثاً عن ردّ تقني، بل عن فهم أعمق لما يحدث. ومن هنا وُلدت هذه التأملات، لا بوصفها رأياً نهائياً ، بل كحوار وتأملات مفتوحة عن المستقبل الذي هو كله بيد الله الذي ضمن رزق عباده وهو الرزاق ذو القوة المتين..
وعموماً لو تعمقنا في القراءة التأريخية نجد أنه في كل لحظة تحوّل كبرى في التاريخ يظهر خوف جماعي على شكل سؤال برئ وهو :-
هل القادم سيقضي علينا؟ حيث
حين ظهر المحرك البخاري خاف الحرفيون من هذه الأداة الجديدة ، وحين جاءت الكهرباء، إضطربت المصانع.
واليوم حين تظهر الخوارزميات القادرة على التفكير يبدو الخوف أوسع لأنه هذه المرة لا يهدد الأيدي بل يقترب من العقول.

لكن جلست أتأمل وأفكر بهدوء هل فعلاً الذكاء الإصطناعي حقاً جاء ليأخذ مكان الإنسان؟
أم أن الإنسان هو من لم يُحدث نفسه منذ زمن؟
ربما علينا أن نسأل أولاً هل نعرف أو لدينا تعريف حقيقي ما هي الوظيفة؟؟
أليست في جوهرها مجموعة مهام سواءً أكانت مجدولة أم غير مجدولة!!؟؟
وإذا كانت هذه المهام قائمة على التكرار والدقة، والتنفيذ الآلي، فهل من الغريب أن تتولاها آلة؟
إذاً المشكلة ليست أن الذكاء الإصطناعي يعمل بل أن كثيراً من البشر هم من يعملون وكأنهم آلات.. ولنأخذ مثالاً في الطب قد تصبح الخوارزميات أكثر قدرة على قراءة الأشعة وتحليل البيانات الطبية لكن هل تستطيع أن تفهم خوف وقلق مريض؟
هل تستطيع أن تشعر بإرتباك أم رؤوم على طفلها؟
هل تستطيع الآلة أن توازن بين العلاج والكرامة الإنسانية؟

صحيح الآلة قد تشخص الأمراض
لكن في رأي المتواضع أن الإنسان وحده من يقرر.
وفي الجراحة قد تمسك الروبوتات الألية بالمشرط لكن من يتحمل لحظة الخطأ؟؟
ومن يواجه العائلة؟
من يقدر المخاطر في ضوء قصة إنسان مريض متعلق بالأمل لا في ضوء جدول بيانات وإحصائيات وخوارزميات؟
عزيزي القارى الذكاء الإصطناعي لا يعرف معنى الندم بل ولا يشعر
بثقل المسؤولية..

وفي التعليم، قد يشرح البرنامج الألي الدرس بدقة مذهلة تدهشنا لكن في غرفة الصف من هو الذي يوقظ الشغف؟
ومن يكتشف الطالب الذي يفهم بصمت؟
في الفصول الدراسية من يزرع القيم؟؟
بالتأكيد لا تستطيع الألة ذلك.. لأن الآلة تنقل معرفة
لكن الإنسان الذي يملك قلباً نابضاً يصنع وعياً
ربما المشكلة أننا اعتدنا أن نختزل المهن في وظائفها التقنية، ونسينا بعدها الإنساني.. فإذا جاءت آلة وأتقنت التقنية ظننا أن المهنة انتهت وتلاشت لكن المهنة لم تكن يوماً مجرد مهارة…
بل كانت معنى.
والخطر الحقيقي ليس أن يحل الذكاء الإصطناعي محل الإنسان،
بل أن يصر الإنسان على أن يبقى نسخة قديمة من نفسه ولا يتعلم .. لأن من لا يتعلم
ومن لا يطور تفكيره،ومن يكتفي بالروتين الثابت قد يجد نفسه خارج دائرةاللعبة، لا لأن آلة روبوتية أزاحته، بل لأن الزمن تجاوزه فيصعب حينها اللحاق به..أما من يجيد التفكير وصناعة القرار، وفهم الإنسان، وقراءة السياق، فربما يكون هذا العصر التقني فرصته الكبرى.
الذكاء الإصطناعي قد يأخذ المهام ولكن لن يستطيع أن يحمل القيم ولن يفهم التاريخ
ولن يستطيع أن يقدر أثر القرار على مجتمع بأكمله
وهنا في هذه المهام وهذه المساحة تشتغل الألة ولكن يبقى الإنسان..
ربما لم يُصنع الذكاء الإصطناعي ليقضي علينا بل ربما ليجبرنا أن نكون أكثر رقي وإنسانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى