العنف الأسري .. وجع صامت وصوت للتغيير

بقلم الكاتبة:
د. وسيلة محمود الحلبي *
ليس كل صمتٍ سلامًا…
أحيانًا يكون الصمت صرخة مكتومة، وبيتٌ مغلق الأبواب، وقلبٌ يرتجف خوفًا بدل أن يطمئن.
العنف الأسري ليس حادثة عابرة، ولا خلافًا عائليًا يُحلّ مع الوقت، بل نزيف إنساني مستمر يحدث في الخفاء، ويترك آثارًا لا تُرى، لكنها لا تُمحى.
هو وجعٌ يتسلل إلى الأرواح بهدوء، حتى يصبح الخوف عادة، والألم جزءًا من الحياة اليومية.
العنف… حين يتحول البيت إلى سجن
حين يُرفع الصوت بدل أن يُسمع
وحين تُكسر الكلمة بدل أن تُقال
وحين تُستخدم القوة بدل الرحمة…
يتحوّل البيت من مأوى إلى ساحة معركة، ومن أمانٍ إلى تهديد دائم.
العنف الأسري لا يترك كدمات فقط، بل:
يكسر الثقة بالنفس
يقتل الإحساس بالقيمة
يزرع الخوف المزمن
ويشوّه معنى الحب والانتماء
والأخطر؟ أنه يُمارَس أحيانًا باسم الحرص، أو التربية، أو السلطة، فيُبرَّر القبح، ويُشرعن الألم.
أطفال يتعلمون الخوف قبل الحياة
في كل بيت عنيف، هناك طفل يتعلم درسًا قاسيًا: أن الصراخ أقوى من الحوار،
وأن الضرب لغة
وأن الصمت نجاة
هؤلاء الأطفال لا ينسون
يكبرون وهم يحملون ذاكرة مشبعة بالرعب
إما ضحايا مكسورين، أو معيدين للمشهد ذاته، لأن ما لم يُعالَج… يُورَّث.
النساء… حين يصبح الاحتمال بطولة زائفة
كم امرأة صمتت حفاظًا على “الأسرة”؟
كم تحمّلت الإهانة خوفًا على أطفالها؟
وكم أقنعت نفسها أن الألم ثمن الاستقرار؟
لكن الحقيقة المؤلمة أن العنف لا يحمي الأسرة، بل يدمّرها ببطء.
وأن الصبر على الأذى ليس فضيلة، بل استنزاف للروح.
الرجال أيضًا… ضحايا صامتون
العنف لا يستثني أحدًا.
هناك رجال يُقمعون نفسيًا، ويُسحقون معنويًا، ويُحاصرون بالصمت لأن الاعتراف بالألم “لا يليق”.
والنتيجة؟ غضب مكبوت، أو انهيار داخلي، أو عنف يُعاد توجيهه.
الصمت… الشريك الأخطر
أخطر ما في العنف الأسري ليس حدوثه، بل التواطؤ معه بالصمت.
حين نغض الطرف، أو نقلل من شأن الألم، أو نطلب من الضحية “التحمّل”، فإننا نمنح العنف شرعية إضافية.
الصمت لا يحمي أحدًا…
الصمت يُطيل عمر الوجع.
العنف صوت للتغيير…………الآن
التغيير ليس شعارًا، بل موقف.
موقف ….. يرفض أي شكل من أشكال الإيذاء
موقف…… يُقدّم الحوار على القسوة
موقف ….. يطلب المساعدة دون خجل
موقف …. يُعلّم أبناءه أن الاحترام لا يُفرض بالقوة
نحتاج أن نعيد تعريف القوة داخل الأسرة:
القوة هي أن تحتوي، لا أن تؤذي
أن تحاور، لا أن تقمع
أن تحمي، لا أن تروّع
رسالة أخيرة
إلى كل من يعيش العنف بصمت:
أنت لست ضعيفًا، ولست وحدك، ولست مخطئًا
وإلى كل من يمارس العنف:
القسوة لا تصنع احترامًا، بل خوفًا…
والخوف لا يبني أسرة، بل أنقاضًا بشرية
العنف الأسري وجع صامت…
لكن آن له أن يصبح صوتًا عاليًا للتغيير
لأن البيوت خُلقت للحب
لا ……….. للكسر.
• سفيرة الإعلام العربي
• كاتبة
• مسؤولة الإعلام والنشر بجمعية كيان للأيتام



