عن الإستراتيجية الكبرى: حين يُعلّمنا التاريخ كيف نفكّر :لماذا ليس كل طموح إستراتيجية؟؟ (قراءة تحليلية في كتاب جون لويس جاديس).

بقلم: بروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي.
أستاذ علم البيولوجيا ومستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.
وقع بيدي كتاب «عن الإستراتيجية الكبرى» للمؤرخ والمفكر الاستراتيجي الأمريكي جون لويس جاديس، تصفحته بدايةً وواصلت قراءته لاحقاً فوجدت نفسي أمام عمل ممتاز جداً إذ لا يقدّم وصفات جاهزة ولا نماذج جامدة، بقدر ما يفتح أفقاً عميقاً للتفكير في معنى الاستراتيجية ذاتها.
فهذا الكتاب لا يُخاطب القادة العسكريين أو صُناع القرار السياسيين فحسب، بل يتوجه إلى كل من يسعى لفهم كيفية المواءمة بين الطموح والواقع، وبين الغايات الكبرى والوسائل المحدودة، في عالم اليوم الذي تحكمه القيود الكبيرة والمفاجآت.
والعجيب أن المؤلف جاديس لا ينطلق في كتابه من سؤال: كيف ننتصر؟ بقدر ما ينطلق من سؤال أعمق بكثير آلا وهو كيف نفكّر استراتيجياً دون أن نُصاب بعمى الطموح أو شلل الخوف؟ ومن هنا تتجلى القيمة الفكرية الممتازة للكتاب إذ ركز على مفهوم الإستراتيجية الكبرى.
جاديس ركز على أن الاستراتيجية الكبرى ليست مجرد خطة طويلة الأمد، بل هي إطار شامل يربط بين الأهداف العليا والموارد المتاحة، ضمن إدراك واع للقيود الجغرافية، والسياسية، والاقتصادية، والنفسية. وهي لا تقتصر على زمن الحرب، بل تشمل إدارة الدول، والمؤسسات، وحتى المسارات المهنية للأفراد.
ويؤكد الكاتب أن جوهر الاستراتيجية الكبرى يتمثل في تحقيق التوازن بين ما نطمح إليه وما نستطيع فعلياً إنجازه. فالفشل الاستراتيجي، في نظره، لا ينشأ غالباً من ضعف الموارد، بل من سوء تقدير العلاقة بين الطموح والقدرة..
ولمست أن من أبرز سمات الكتاب اعتماده على التاريخ بوصفه مختبراً حياً للتفكير الاستراتيجي. لا يتعامل جاديس مع التاريخ كحكايات ماضية، بل كخبرات إنسانية متكررة الأنماط. فيستعرض نماذج لقادة أخفقوا بسبب الإفراط في الطموح، مثل زركسيس ونابليون، مقابل قادة نجحوا لأنهم فهموا حدود القوة، مثل أغسطس قيصر وجورج واشنطن.
ويبيّن أن القادة الفاشلين غالباً ما أساؤا تقدير الزمن والمسافة والتكلفة البشرية، فاندفعوا خلف رؤى كبرى دون أن يمتلكوا الوسائل الكافية لتحقيقها. أما القادة الناجحون، فكانوا أكثر صبراً ، وأدق في ترتيب الأولويات، بل وأشد وعيًاً بحدود قدراتهم.
وهنا يبرز المفهوم بين الرؤية والمرونة إذ يستعير جاديس مفهوم «القنفذ والثعلب» الذي قدّمه الفيلسوف إسيايا برلين، ليشرح نمطين من التفكير. فالقنفذ يملك رؤية كبرى واحدة واضحة، بينما يمتاز الثعلب بالمرونة والقدرة على التكيف مع التفاصيل المتغيرة. ويرى جاديس أن الاستراتيجية الكبرى الناجحة لا تقوم على أحدهما دون الآخر، بل على مزاوجة ذكية بين الرؤية الثابتة والمرونة العملية.
فالاستراتيجية التي تفتقر إلى رؤية تتحول إلى ردود أفعال عشوائية، بينما الاستراتيجية الجامدة قد تتحطم أمام أول اختبار واقعي. ومن هنا، تصبح القدرة على التعديل دون فقدان الاتجاه سمة أساسية للقائد الاستراتيجي.
كما أوضح جاديس في كتابه مفهوم جميل جداً وهو التواضع الاستراتيجي ومعرفة الحدود والحقيقة هذا المفهوم شدني جداً إذ أنني لأول مرة أقرأ عنه
ويعتبر من الأفكار اللافتة في هذا الكتاب دعوته الصريحة إلى ما يمكن تسميته بـ«التواضع الاستراتيجي». فجاديس يرى أن إدراك القائد لحدود قوته لا يُعد ضعفاً ، بل شرطاً أساسياً للحكمة.. فالقادة الذين يتجاهلون القيود سواء كانت جغرافية أو اقتصادية أو بشرية غالباً ما يقودون مشاريعهم إلى الانهيار.. ويضرب أمثلة متعددة على كوارث تاريخية نتجت عن الغرور الاستراتيجي، حين اختلطت الرغبة في المجد بسوء التقدير، فدُفعت دول بأكملها إلى حروب استنزاف مدمّرة.. لذلك فإن المؤلف ركز كذلك على مفهوم الأخلاق في صميم الاستراتيجية إذ أنه لا يفصل جاديس بين الاستراتيجية والأخلاق، بل يرى أن القرارات الكبرى لا تُقاس بنتائجها المباشرة فقط، وإنما بآثارها الطويلة المدى على المجتمعات والاستقرار الإنساني. فالقائد الاستراتيجي الحقيقي هو من يوازن بين تحقيق الهدف وتقليل الخسائر، ويدرك أن النجاح قصير الأمد قد يحمل في طياته فشلاً أخلاقياً أو سياسياً لاحقاً..
وما ركز عليه المؤلف في هذا الكتاب أيضاً هو الدلالات المعاصرة حيث رغم أن الكتاب يعجّ بالأمثلة التاريخية، إلا أن دلالاته معاصرة بامتياز.
ففي عالم اليوم، حيث تتسارع الأزمات وتتداخل المصالح، تصبح الحاجة إلى التفكير الاستراتيجي العميق أكثر إلحاحاً ويمكن تطبيق أفكار جاديس ليس فقط على مستوى الدول، بل أيضاً على المؤسسات، والقيادات التنفيذية، وحتى الأفراد في تخطيط مساراتهم المهنية.
وخلاصة القول فإن كتاب «عن الإستراتيجية الكبرى» ليس دليلًا إجرائياً ، بل مدرسة فكرية. إنه يدعونا إلى التمهّل، وإعادة التفكير في افتراضاتنا، وفهم العلاقة الدقيقة بين الطموح والواقع. وهو يذكّرنا بأن الاستراتيجية ليست فن السيطرة، بل فن الاختيار الحكيم في عالم مليء بالقيود. ومن يقرأ هذا الكتاب بوعي، لن يخرج بخطة جاهزة، بل بعقلية أعمق، وهي في حد ذاتها أعظم مكسب استراتيجي.



