أبها: الملامح الراسخة والتطوير الراهن

يحيى العلكمي
كاتب وناقد مسرحي
ليست أبها مدينةً تُزار فحسب، وإنما موطن يُقيم في الذاكرة قبل أن تطأه الأقدام. فمنذ تشكّلها الأول، وهي تنمو على تخوم الجبل، مستندة إلى تاريخٍ متجذّر وراسخ مثل شوامخ تلكم الأوتاد؛ مدينة تعلّمَت أن تعيش على الارتفاع والسّمو، جسدًا ومعنى، وأن تصوغ حضارتها من تماسٍ حميم بين الإنسان والطبيعة، لا من معالجةٍ وصراع.
تاريخ أبها لا يُقرأ في الوقائع الكبرى وحدها، وإنما في التفاصيل الصغيرة التي صنعت وجدانها: في طرقها المتعرجة، في حكايات أهلها، وفي بيوتها الحجرية التي لم تكن استعراضًا عمرانيًا، وإنما استجابة ذكية للمُناخ والمكان. تلك المباني، بنوافذها الصغيرة وجدرانها السميكة، تشهد على عقلٍ جمعيّ يعرف كيف يحمي دفئه دون أن ينغلق، وكيف يستقبل الضوء دون أن يفقد خصوصيته.
وقد امتلكت أبها، عبر تاريخها، قدرة لافتة على مسايرة كلّ (من وما) وفد إليها، لا بذوبان هويتها، وإنما باتساعها، فاحتضنت القادمين كما تحتضن الجبال السحاب: تمنحه شكلًا جديدًا دون أن تفقد هيبتها؛ في أسواقها، وفي مجالسها، وفي لهجة ساكنيها، يتجلى هذا المزج الهادئ بين الألفة والوقار، لهجة أبها ليست مجرد أداة تواصل، وإنما ترنيمة حياة، فيها انسياب الماء، وصرامة الشعاب.
أما تشكلاتها الجغرافية، فليست خلفية طبيعية صامتة، وإنما شريك فاعل في تشكيل الوعي، كلّ تشكّل هو معلَم أخلاقيّ قبل أن يكون تضريسًا جغرافيًا؛ يعلّم الصبر، ويهذب النظر، ويمنح الإنسان إحساسًا دائمًا بالاتساع، حتى وهو في أضيق المساحات. أما الشعاب -بما تحمله من خضرة موسمية- تؤكد أنّ الجمال في أبها ليس ترفًا دائمًا، وإنما وعدٌ يتجدد مع المطر.
وفي حاضرها، تحظى أبها بحركة تطوير لافتة، تسعى إلى تحديث البنية، وتوسيع الفضاءات الثقافية، وتحسين جودة العيش. ولعل التطوير هنا لا يأتي على هيئة قطيعة مع الماضي، وإنما بوصفه حوارا معه، يحترم رمزيته ويعيد تقديمه بلغة العصر، فتبقى أبها مدينةً تعرف كيف تتجدد، دون أن تفقد صوتها الخاص.
هكذا تظل أبها مثالًا لمدينة نجحت في أن تكون حضنًا للتاريخ، ومأوى للحاضر، ووعدًا للمستقبل، مدينة لا تغيّر جلدها لتواكب الزمن، وإنما تجعل الزمن يتعلّم نبرتها.



