من إسبانيا… حين تُقاس مكانة الأوطان بعمق أثرها لا بضجيج حضورها

أ.د. سعيد بن عبدالله القرني
عضو هيئة التدريس بجامعة بيشة
خارج الجغرافيا المعتادة، تتبدّى صورة الأوطان أكثر صفاءً، لا كما نراها نحن فحسب، بل كما تنعكس في وعي الآخرين. وخلال وجودي في إسبانيا، بدا واضحًا أن المملكة العربية السعودية لم تعد موضوع متابعة إخبارية عابرة، بل غدت محور اهتمام جاد في الأوساط السياسية والثقافية والأكاديمية، بوصفها دولة ذات رؤية متماسكة ودور متنامٍ في صياغة المشهد الدولي.
العلاقات السعودية الإسبانية تمثل اليوم نموذجًا متقدمًا للشراكات الدولية الحديثة، شراكة تتجاوز الأبعاد التقليدية لتلامس عمق الثقافة والمعرفة والتعليم. ففي النقاشات واللقاءات، يحضر الحديث عن المملكة باعتبارها قوة إقليمية مسؤولة، تنتهج خطابًا عقلانيًا، وتستثمر في أدوات التأثير الناعم، وفي مقدمتها الثقافة والتعليم.
وفي المشهد الثقافي الإسباني، يلحظ المتابع تنامي الاهتمام بالثقافة السعودية، ليس بوصفها ثقافة “مختلفة”، بل بوصفها ثقافة قادرة على الإسهام في الحوار الحضاري، وإثراء المشهد الإنساني المشترك. وهو ما يعكس تحوّلًا نوعيًا في صورة المملكة، من دولة حاضرة سياسيًا إلى دولة مؤثرة ثقافيًا وفكريًا.
أما في الفضاء الأكاديمي، فيتأكد بجلاء أن منهج وزارة التعليم في الابتعاث والاتصال العلمي والتفرغ العلمي لم يكن خيارًا مرحليًا، بل مسارًا استراتيجيًا طويل الأمد. فقد أسهم هذا المنهج في بناء جسور معرفية حقيقية مع جامعات ومراكز بحثية عالمية، وأنتج حضورًا سعوديًا لافتًا في البيئات الأكاديمية الدولية، يقوم على الكفاءة والجدية والاحترام المتبادل.
والملفت في هذه التجربة أن الأكاديمي السعودي يحظى بتقدير مهني واضح، وهو تقدير يعكس جودة الإعداد، وعمق التجربة، ووضوح الرؤية التعليمية الوطنية، التي جعلت من الإنسان محور التنمية وغايتها.
وفي هذا السياق، تبرز جامعة بيشة بوصفها نموذجًا لجامعة وطنية طموحة، استطاعت أن تترجم خطتها الاستراتيجية إلى واقع ملموس، وأن توائم برامجها ومبادراتها مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، ليس على مستوى الشعارات، بل في الممارسة الفعلية والتمكين الحقيقي لمنسوبيها.
وخلال هذه التجربة الخارجية، يتضح أثر الدعم المؤسسي الذي تقدمه جامعة بيشة لمنسوبيها في مجالات الابتعاث والتفرغ العلمي والمشاركة الأكاديمية الدولية، بما يعزز من حضورها، ويرفع من مستوى تمثيلها في المحافل العلمية، ويؤكد وعيها بدورها بوصفها مؤسسة تعليمية تسهم في بناء الصورة الذهنية الإيجابية للوطن.
ويأتي هذا التميز انعكاسًا مباشرًا لقيادة جامعية تتسم بالحنكة الإدارية والرؤية المتزنة، يقودها سعادة رئيس جامعة بيشة الأستاذ الدكتور محمد بن محسن صفحي الذي استطاع أن يوازن بوعي بين متطلبات التطوير المؤسسي، واحتياجات منسوبي الجامعة، واضعًا التمكين الأكاديمي في صميم قراراته.
لقد اتسمت إدارته بالعمل الهادئ، والتخطيط طويل المدى، واتخاذ القرار المبني على فهم عميق لدور الجامعة ورسالتها الوطنية.
إن ما تشهده جامعة بيشة اليوم من استقرار وتقدم متسارع هو ثمرة قيادة تؤمن بأن بناء الجامعات لا يقوم على البنى التحتية وحدها، بل على الاستثمار في الإنسان، وتعزيز الثقة، وإشراك الكفاءات في صناعة التحول. وهو نهج عزز من انتماء منسوبي الجامعة، ورفع من مستوى أدائهم وتمثيلهم المشرف في الداخل والخارج.
ومن إسبانيا، تبدو هذه التجربة أكثر وضوحًا وأصدق أثرًا. فحين تتحول الحنكة الإدارية إلى سياسات فاعلة، وحين تُدار المؤسسات التعليمية بعقل استراتيجي متزن، تتجسد الرؤية الوطنية في ممارسات ملموسة تعكس حجم التحول الذي تعيشه المملكة اليوم.
إنها تجربة تؤكد أن حضور المملكة في العالم لم يعد مرتبطًا بموقعها الجغرافي أو ثقلها الاقتصادي فحسب، بل بقدرتها على بناء المعرفة، وصناعة الشراكات، وتقديم نموذج إداري وتعليمي ناجح، تسهم فيه الجامعات السعودية، وفي مقدمتها جامعة بيشة، بدور فاعل في مسيرة وطن يتجه بثقة نحو المستقبل.



