مقالات و رأي

الحبَّ الذي لم يجد طريقه فاختبأ بالرسائل

وداد بخيت الجهني
“دونكِ أنا في عبث،أعترف لكِ مثلما يعترف المحكوم أخيرًا بجريمة لم يرتكبها “كلمات قالها مناضل صلب ،لا يعرف للضعف ،والعاطفة طريقًا؛ ورغم ذلك نال منه الحبَّ ،وأضناه الشَّوق ؛ فأصبح عاشقا حتى الرمق الأخير لاسبيل له في الوصال سوى قلمه،وكتاباته،ومشاعره المسجاة على ورق ، هذه كلمات أرسلها لملهمته في الحبَّ “زهرته الدمشقية،”
بدأت قصة حبَّ هذا الشاب الفلسطيني غسان كنفاني في الستينات حينما التقى بالأديبة السورية غادة السمان ، في جامعة دمشق وكانت معرفة عابرة ثم جمعت الأقدار بينهما مرة أخرى عن طريق المصادفة في إحدى الحفلات المسائية في القاهرة وفي هذا اللقاء قال لها غسان “مالكِ كطفلة ريفية تدخل المدينة أول مرة ”
ومنذ ذلك الحين توثقت الصلة بينهما وعاشا قصة حبَّ رومانسيّة لامثيل لها صادقة بمشاعرها ،ومليئة بلحظات الحنين حبَّ وقفت أمامه العديد من القيود الاجتماعية،والدينية، ولكن أبت غيوم السماء أن تحجب هذه المشاعر ،وأن تقف أمام هذه الأحاسيس؛ فكانت الرسائل حلقة الوصل بينهما، وسماء الأدب، والإبداع كانت الملتقى .

غسان كنفاني روائي،وقاص،وصحفي ،ومناضل فلسطيني ولد في عكا شمال فلسطين في التاسع من نيسان عام1936م اهتم كنفاني بالأدب وهو في سن الشباب،وكتب القصة القصيرة في عمر 19 وبعد انتقاله إلى بيروت لمع اسمه في عالم الكتابة،من مؤلفات ه(رجال في الشمس) (عائد إلى حيفا)(عالم ليس لنا)وغيرها الكثير اغتاله الموساد عام1972م بانفجار سيارة مفخخة.
أم ملهمته الدمشقية غادة السمان كاتبة ،وأديبة سورية ولدت عام 1942م في دمشق لأسرة دمشقية., صنعت لنفسها مجدًا أدبيًا خاصّا وتُعتبر صاحبة القلم الأنيق، وواحدة من أهم الأدباء العرب في العالم،حققت نجاحات عديدة، وفازت بالعديد من الجوائز كما تُرجمت أعمالها إلى مختلف اللغات العالمية.

من مؤلفاتها مجموعة قصصية بعنوان (عيناك قدري) (ليل الغرباء) ومن الروايات (الرواية المستحيلة) ومجموعات شعرية منها(أعلنت عليك الحبَّ) (رسائل الحنين إلى الياسمين) ومن أعمالها التي أثارت موجة عارمة من الجدل،والانتقادات، نشر المراسلات التي بينهما في كتاب بعنوان( رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان) صدر الكتاب عام 1992م وتضمن الكتاب اثنتي عشرة رسالة فقط كتبها لها غسان في الفترة الزمنية مابين أواخر العام 1966م وحتى شهر آب أغسطس من العام 1968م هذه مقتطفات منها (اكتبي لي في هذه اللحظة،وقولي:سأظل معكَ وسنظل معًا) (مأساتي ومأساتك أنني أحبكِ بصورة أكبر من أن أخفيها وأعمق من أن تطمريها) (ويبدو أن هناك رجال لا يمكن قتلهم إلا من الداخل) (إنني أقول لكِ كل شيءٍ لأنني أفتقدكِ، لأنني أكثر من ذلك. (تعبت من الوقوف بدونك).(لا تكتبي لي جوابًا،لا تكترثي،لاتقولي شيئًا إنني أعود إليكِ مثلما يعود اليتيم إلى ملجئه الوحيد).

رسائل كانت بين بيروت،،ولندن،بيروت حيث وجد غسان،ولندن حيث عاشت غادة،رسائل محملة بالحبَّ الصادق،مضمخة بمشاعر أتعبها صقيع الحنين،وبرودةالوجع،وداعبها الأنين؛ تطفح على أسوارها دلائل الود،وغليل الشوق ،تنزف وجعًا، وتنتحب بأسواط الانتظار التي لا ترحم وتنزا لوعةً ومرارةً، وقد تولت غادة بنفسها كشف هذه الرسائل في الكتاب اختصرت فيه مشاعر غسان نحوها لأعوام ،وأعوام،وحبه لها دون أن تُرفق ردودها الخاصة عليها وكتبت في مقدمتها (سأنشر رسائل زمن الحماقات الجميل،دون تعديل أو تحوير،) وقد أثار الكتاب جدلاً واسعًا،وسجالات ساخنة في الأوساط الأدبية،والثقافية،بين مؤيد ومعارض فالبعض يرى أنها مؤتمنة على خبايا أدبية من حق الجميع الاطلاع عليها كي لايطويها النسيان خاصة أن كاتبها روائي مناضل ،وصاحب قضية بينما وقف في الطرف النقيض من يتهمها أنها أعطت نفسها الحق في انتهاك خصوصية إنسان أخر عندما كان هذا العاشق المسكين يكشف لها عن أكثر لحظات العجز،والألم،والاستجداء،فهي بذلك أظهرت جانبًا مظلمًا من حياته ربما لم يكن يحب ظهوره من الأساس لاسيما أنه أحد أيقونات النضال الفلسطيني خاصة أن النشر كان بعد وفاته وبدون أذن منه ،ومنهم من صبَّ سخطه،وأنزل اللعنات عليها واعتبره نوع من التباهي برسائل العاشقين التي لايسعد بها القارئ لأنها مليئة بالحبّ،والتذلل والعجرفة،والنرجسية من امرأة لا تأبه بالمشاعر فهو أبدع في كتابة الحبَّ في رسائله وهي أبدعت بقراءتها ونشرها فقط لا مبادلتها .، – وما أصعب المشاعر عندما تكون مشلولة بين قلب يُكابر ،وقلب مغرور!و هناك من قابلها بالسخرية، والتندر منتظرًا رسائل امرؤ القيس،والمتنبي لها.

وقد دافعت غادة عن نفسها وأشارت أن تعلّق غسّان بها ليس سرّا تُذيعه هذه الرسائل؛ فهيامه بها يعرفه الجميع وغرامه كان مشاعًا بين أعمدة الصحف ،وبررت نشر الرسائل بوصفها وثيقة يجب أن يُخلدها الأدب في سجلاته الكبيرة فهي أرث أدبيّ يحمل بين طياته لغة قوية أكثر من كونها رسائل شخصية وصاحبها كاتب مبدع،ومن حق معجبيه ،وقرائه الاطلاع عليها كما أرادت من خلالها انصاف الجانب الآخر من كنعاني (الرجل المُحبّ،لا المناضل وحده) إذ تقول ( الأبطال الحقيقيون يشبهون الرجال العاديين رقةً،وحزنًا) كما أصرت أن نشرها سيسهم في إحياء ذكرى الأديب الراحل،وإبراز الجانب الإنساني من شخصيّته النضالية.
ومهما دار في خلد غادة يوم قررت نشر رسائل غسان ،فكل ما قالته لايشفع لها فرسائل الحبَّ؛ حين تأتي ممن نُحب تُسيج القلب من كل الجهات ، فتُحلق بها الروح عاليًا،ويُعيد القلب فقط نشرها ،وتأملها ،وتظل حبيسته للأبد؛فهي تواصل روحي نبض يهمس من قلب إلى قلب لا يحتاج إلى إعلان صاخب .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى