مقالات و رأي

«لا.. بلسانِ مهند»

بقلم :د.فاطمة الفهيد

في مشهدٍ يفيض بالقيم الإنسانية النبيلة، ويجسد نضجاً فكرياً يتجاوز حدود العمر، سجل الطفل المشهور مهند القحطاني موقفاً استثنائياً عكس من خلاله أسمى معاني التضامن والعدالة الاجتماعية. فخلال مشاركته في أحد المعارض التي أقيمت مؤخراً، برز مهند ليس كأحد ضيوف الشرف فحسب، بل كصوتٍ للحق ومنارةٍ للوعي.
الموقف: انتصارٌ للقيم على الحسابات الشخصية


بدأت فصول القصة حين لاحظ مهند إجراءً تنظيمياً جانبه الصواب، تمثل في استبعاد مجموعة من الأطفال من “أصحاب الهمم” ومنعهم من التواجد أو المشاركة في فعاليات المعرض. لم يكن هذا التصرف ليمرّ عابراً في وجدان طفلٍ آمن بأن كرامة الإنسان وحدة لا تتجزأ، فما كان منه إلا أن اتخذ قراراً شجاعاً بالانسحاب الفوري من الحدث.
الرسالة: لا نجاحَ مع الإقصاء
لم يكن انسحاب القحطاني مجرد رد فعلٍ عاطفي، بل كان رسالةً أخلاقيةً صريحة وجهها للجهة المنظمة؛ حيث أوضح برصانةٍ واحترام أن اعتذاره يأتي احتجاجاً على سياسة التمييز والتهميش. لقد آثر مهند أن يغادر منصات الأضواء وفاءً لمبادئه، مؤكداً أن النجاح الذي يُبنى على أنقاض إقصاء الآخرين هو نجاحٌ منقوصٌ يفتقر للقيمة الحقيقية.
دلالات الموقف وأثره المجتمعي
إن هذا الموقف البطولي يحمل في طياته دلالات عميقة، أبرزها:
* نضج جيل المستقبل: إثبات أن الوعي بحقوق الإنسان والعدالة ليس حكراً على الكبار، بل هو غرسٌ يثمر في قلوبٍ نقية.
* تعزيز ثقافة الدمج: تسليط الضوء على ضرورة مراجعة الآليات التنظيمية في المحافل العامة لضمان شمولية المشاركة لكل فئات المجتمع.
* البطولة الأخلاقية: التأكيد على أن الشجاعة الحقيقية تكمن في القدرة على قول “لا” في وجه التمييز، حتى لو كلف ذلك التخلي عن مكاسب شخصية.
ختاماً، يقدم مهند القحطاني اليوم نموذجاً يُحتذى به في زمنٍ نحن فيه أحوج ما نكون إلى “القدوة” الفعلية لا القولية. إن موقفه هذا لم يكن انتصاراً لأصحاب الهمم فحسب، بل هو انتصارٌ للإنسانية جمعاء، وتذكيرٌ بليغ بأن العدالة ليست مجرد شعارات تُرفع، بل هي مواقفٌ تُتخذ وسلوكٌ يُمارس.
تحيةُ إجلالٍ لهذا الوعي المبكر، ولعائلةٍ استطاعت أن تغرس في طفلها أن قيمة الإنسان تكمن في انحيازه الدائم للحق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى