إدارة الجودة والتحليلات التنبؤية في إطار التخطيط الاستراتيجي للجامعات.

بقلم / البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ جامعي سابق في علم البيولوجي..
مستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.
كنت في لقاء مع مجموعة من الزملاء الأكاديميين، وتحدثنا عن الجامعات ودورها في المجتمع، وكيفية الارتقاء بها في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وتطورت المناقشة إلى ذكر مفاهيم الجودة في التعليم الجامعي والعلاقة الوثيقة بينها وبين التخطيط الاستراتيجي. وقد تحدثت بدوري عن الجودة والتخطيط الاستراتيجي والتحليلات التنبؤية، مؤكداً أن مستقبل الجامعات لن يُبنى بالشعارات، بل بالمنهجيات العلمية والقرارات المبنية على البيانات.
لقد أصبح من المسلم به أن الجامعة لم تعد مؤسسةً تعليمية تقليدية يقتصر دورها على تقديم المعرفة، بل صارت فاعلاً رئيساً في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومركزاً لإنتاج المعرفة وصناعة الكفاءات.
ومن هنا فإن أي حديث عن تطوير الجامعات لا يمكن أن ينفصل عن مفهوم الجودة، بوصفها الإطار الذي يضبط الأداء ويقيس المخرجات ويضمن التحسين المستمر. غير أن الجودة في مفهومها الحديث لم تعد مجرد التزام بمعايير الاعتماد أو إعداد تقارير دورية، بل أصبحت ثقافة مؤسسية متكاملة تتطلب رؤية استراتيجية واضحة وأدوات تحليل متقدمة.
إن العلاقة بين الجودة والتخطيط الاستراتيجي علاقة تكاملية لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. فالتخطيط الاستراتيجي يحدد الاتجاه العام للمؤسسة، ويعمل على صياغة رؤيتها ورسالتها وأهدافها بعيدة المدى، بينما تتولى إدارة الجودة ضمان أن تكون العمليات والنتائج منسجمة مع تلك الأهداف. فإذا كان التخطيط يجيب عن سؤال “إلى أين نريد أن نصل؟؟”، فإن الجودة تجيب عن سؤال “كيف نصل بكفاءة وفاعلية؟”.
ومن دون هذا التكامل، يصبح التخطيط طموحاً نظرياً بلا أدوات قياس، وأيضاً تتحول الجودة إلى إجراءات شكلية منفصلة عن التوجه الاستراتيجي.
غير أن التحول الأهم في هذا السياق يتمثل في إدماج التحليلات التنبؤية ضمن منظومة الجودة والتخطيط. فالتحليلات التنبؤية، التي تعتمد على تحليل البيانات التاريخية والحالية باستخدام أدوات إحصائية ونماذج تعلم آلي، تمكن الجامعات من استشراف المستقبل بدقة أعلى، وتوقع السيناريوهات المحتملة قبل وقوعها. وبهذا المفهوم ، فإنها تمثل حلقة الوصل بين الجودة بوصفها إطاراً معيارياً، والتخطيط الاستراتيجي بوصفه توجهاً مستقبلياً.
تقليدياً، اعتمدت الجامعات في قياس الجودة على مؤشرات مختلفة ، مثل معدلات التخرج، ونسب الرسوب، ونتائج استبانات رضا الطلبة، وعدد الأبحاث المنشورة. وهذه المؤشرات، على الرغم من أهميتها، تعكس أداءً ماضياً أي أن نتائجه حصلت لذلك فإنها لا تمنح صانع القرار فرصة كافية للتدخل المبكر والسريع .
أما التحليلات التنبؤية، فتوفر مؤشرات استباقية تمكن الجامعة من توقع تعثر الطلبة أكاديمياً، أو انخفاض الإقبال على برنامج معين، أو تراجع الإنتاج البحثي في مجال محدد. وهنا يتحول القرار من رد فعل إلى فعل استباقي مدروس وعمليات تحسين أو تعديل خطط إستراتيجية.
وعند صياغة الخطة الاستراتيجية تمر الجامعة عادة بمرحلة تحليل البيئة الداخلية والخارجية. وفي هذه المرحلة تحديداً تتجلى قيمة التحليلات التنبؤية. بمعنى أنه من خلال تحليل بيانات القبول، وأداء الطلبة، ومعدلات التوظيف بعد التخرج، يمكن استشراف الاتجاهات المستقبلية وتحديد نقاط القوة والضعف بدقة أكبر. كما يمكن، عبر دراسة المتغيرات الاقتصادية والتقنية، توقع التخصصات التي سيزداد الطلب عليها، وبالتالي إعادة توجيه الموارد والبرامج بما يتوافق مع تلك التوقعات.
وفي مجال جودة العملية التعليمية تتيح التحليلات التنبؤية إمكانية بناء نماذج تحدد الطلبة الأكثر عرضة للتعثر في وقت مبكر من الفصل الدراسي وذلك استناداً إلى بيانات الحضور، والمشاركة الإلكترونية، ونتائج التقييمات المرحلية الواقعية . وبذلك يمكن تفعيل برامج دعم أكاديمي موجهة تستطيع الجامعة بها أن تعزز فرص النجاح وتخفض معدلات الانسحاب. وهذا النوع من التدخل المبكر يترجم عملياً أهداف الخطة الاستراتيجية المتعلقة بتحسين مخرجات التعلم ورفع كفاءة الأداء الأكاديمي.
أما على مستوى إدارة الموارد، فإن التكامل بين الجودة والتحليلات التنبؤية يعزز من كفاءة التخطيط المالي والبشري. فتحليل أعباء التدريس، ومعدلات إشغال القاعات، وأنماط تسجيل المقررات، يمكن أن يساعد في التنبؤ بالاحتياجات المستقبلية من أعضاء هيئة التدريس أو المرافق. وبهذا يتحقق هنا أحد أهم أهداف التخطيط الاستراتيجي، وهو الاستخدام الأمثل للموارد في إطار الاستدامة المالية.
ومع ذلك، فإن نجاح هذا النهج يتطلب بنية تحتية رقمية متكاملة ونظام حوكمة واضحاً للبيانات، وثقافة مؤسسية تؤمن بقيمة القرار المبني على الأدلة. كما يتطلب تدريب القيادات الأكاديمية والإدارية على تفسير النتائج التحليلية وقراءة مؤشرات آداء وتحليلات إحصائية وربطها بالأهداف الاستراتيجية، حتى لا تبقى البيانات أرقاماً معزولة عن السياق.
عزيزي القارئ الأكاديمي والقيادي تأكد بإن التكامل بين الجودة والتحليلات التنبؤية والتخطيط الاستراتيجي يمثل نموذجاً حديثاً لإدارة الجامعات في القرن الحادي والعشرين. فالجودة تحدد المعايير والتحليلات تستشرف الاتجاهات والتخطيط يترجم الرؤية إلى مبادرات قابلة للتنفيذ. وحين تتكامل هذه العناصر، تتحول الجامعة إلى مؤسسة متعلمة قادرة على التكيف مع المتغيرات، والاستجابة للتحديات، وتحقيق التميز المؤسسي.
والحقيقة التي يجب أن نعيها وندركها أن مستقبل الجامعات لن يصنع بالاجتهادات الفردية وحدها، بل ببناء منظومات متكاملة تجمع بين الرؤية الاستراتيجية، وثقافة الجودة، وقوة البيانات.
الجامعة التي تمتلك القدرة على قراءة حاضرها بموضوعية، واستشراف مستقبلها بأدوات علمية، هي الأقدر على أداء رسالتها وخدمة مجتمعها بكفاءة واقتدار.



