مقالات و رأي

في زمن العواصف: الاستراتيجية والوعي ركيزتا أمن المملكة واستدامة مكتسباتها..

بقلم: بروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ علم البيولوجيا ومستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.

في زمن الإضطرابات كالحروب، حين تضطرب الموازين وتتعاظم التحديات، تتجلى قيمة العقل الاستراتيجي والقيادة الحكيمة بوصفهما صمام الأمان للدول والمجتمعات. فالحرب بمفهومها الحديث، لم تعد مقتصرة على ميادين القتال التقليدية، بل اتخذت أشكالاً متعددة تشمل الحروب الاقتصادية، والسيبرانية، والإعلامية، وحروب المعلومات. وفي هذه الأحداث المتحوّلة، تبرز أهمية الرؤية الاستراتيجية المتكاملة التي تستند إلى قراءة دقيقة للواقع، واستشراف عميق للمستقبل مع قدرة على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة وبالقدر الملائم من المرونة والحزم.

إستراتيجياً أثبتت التجارب التاريخية أن أي دولة تمتلك قيادة واعية ومؤسسات راسخة تكون قادرة على تحويل التحديات إلى فرص. وفي السياق الإقليمي والدولي المعاصر، تواجه الكثير من الدول ومنها مملكتنا العربية السعودية بيئات استراتيجية معقدة، تتشابك فيها المصالح وتتقاطع فيها الأجندات. ومن هنا، فإن المحافظة على الأمن الوطني المستدام ليس محصوراً أو تحت مسؤولية الأجهزة المختصة وحدها فقط ، بل هي منظومة متكاملة تتضافر فيها القيادة مع المجتمع، والرؤية مع التنفيذ، والسياسة مع الاقتصاد، والأمن مع التنمية.
والعقل الإستراتيجي المقصود هنا أننا لا نريد من فئات المجتمع أن تنساق خلف تجميع معلومات غير موثوقة، أو تنجرف وراء إشاعات وسائل التواصل الاجتماعي، أو ما يُتداول عبر أدوات الذكاء الاصطناعي دون تحقق وتمحيص.

والحمدلله فإن القيادة في المملكة العربية السعودية حكيمة ولكن يجب أن يعي المجتمع أنه أمام مسوولية مناطة به وهي مسؤولية عظيمة وحساسة جداً وهي المساهمة مع دولتنا لتستطيع أن تحقق أهدافها وأمنها الوطني إذ أنه دون مجتمع واع يدرك طبيعة المرحلة ومتطلباتها فإن الجهود تضيع سدى ، فالوعي المجتمعي يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات، وحملات التضليل، ومحاولات بث الفرقة وزعزعة الثقة. وفي عصر تتسارع فيه المعلومات عبر المنصات الرقمية، يصبح التحقق من الأخبار، والتمييز بين الرأي والمعلومة، وبين النقد البناء والهجوم الموجه، مسؤولية أخلاقية عظيمة وواجبات وطنية في آن معاً . كما أن الحذر من الانجراف وراء الإشاعات واجب وطني لا يقل أهمية عن أي شكل من أشكال المشاركة في البناء فالإشاعة في زمن الأزمات قد تتحول إلى أداة هدم معنوي تُربك الصف الداخلي وتضعف الثقة بالمؤسسات..
فالوعي مطلب مهم ونحن ولله الحمد ” أمنون” في وطننا.

إن تداول الأخبار دون تثبّت، أو إعادة نشر معلومات غير موثوقة، يمنح خصوم الاستقرار فرصة لبث الشك وإثارة البلبلة. ومن هنا، فإن الوعي الحقيقي لا يكتفي بحسن النية، بل يتطلب تحري المصدر، والرجوع إلى القنوات الرسمية، والتريث قبل إصدار الأحكام. فالكلمة مسؤولية، والمشاركة الرقمية موقف، وكل فرد في المجتمع شريك في حماية الفضاء العام من التضليل والتزييف. إن الانضباط المعلوماتي صورة من صور المواطنة الصادقة، وهو خط دفاع متقدم في مواجهة حروب الجيل الجديد التي تستهدف العقول قبل الحدود.

إن المجتمع الواعي هو الذي يدرك أن الأمن ليس شعارًا يُرفع، بل ممارسة يومية تتجسد في احترام النظام، والمحافظة على المكتسبات، والإسهام الإيجابي في البناء والتنمية. وهو مجتمع يؤمن بأن التماسك الداخلي هو أساس القوة الخارجية، وأن اللحمة الوطنية تُعدّ رأس مال استراتيجي لا يقل أهمية عن الثروات الطبيعية أو القدرات العسكرية. فحين تتكامل القيادة الرشيدة مع الوعي الشعبي، تتكوّن جبهة داخلية صلبة قادرة على امتصاص الصدمات ومواجهة الأزمات بثقة وثبات.

وفي هذا الإطار، تمثل الرؤى التنموية بعيدة المدى ركيزة أساسية لتعزيز مناعة الدولة. فالتنمية المستدامة ليست ترفًا في زمن الاضطرابات، بل ضرورة استراتيجية تضمن تنويع الاقتصاد، ورفع كفاءة الموارد البشرية، وتعزيز الابتكار. كما أن الاستثمار في التعليم، وتمكين الشباب، ودعم البحث العلمي، يسهم في بناء مجتمع قادر على التفكير النقدي والإبداعي، وهو ما يشكّل خط الدفاع المعرفي في مواجهة تحديات العصر.

ولا يغيب عن هذا المشهد دور الخطاب الإعلامي المسؤول، الذي ينبغي أن يكون شريكًا في تعزيز الوعي، لا أداة لإثارة الانفعال أو تضخيم المخاوف. فالإعلام، حين يتحلى بالمهنية والموضوعية، يصبح قوة ناعمة تدعم الاستقرار، وتُبرز النجاحات، وتفتح المجال لحوار وطني راقٍ يعالج القضايا بروح من المسؤولية والاحترام.

إن الحفاظ على أمن ومكتسبات المملكة العربية السعودية يتطلب إدراكًا جماعيًا بأن الاستقرار ليس أمرًا مسلّمًا به، بل هو ثمرة جهد متواصل وتضحيات متراكمة. فالدول التي تنعم بالأمن في محيط مضطرب إنما تحققه عبر سياسات مدروسة، ومؤسسات قوية، ومجتمع متماسك يؤمن بوطنه وقيادته ومستقبله. وفي زمن الحروب، تتأكد هذه الحقيقة أكثر من أي وقت مضى: فالعقل الاستراتيجي يرسم الطريق، والقيادة الحكيمة تمسك بالبوصلة، والوعي المجتمعي يحمي المسار من الانحراف، ويغلق الأبواب أمام الإشاعة قبل أن تتحول إلى أزمة.

وهكذا، فإن المعادلة المتوازنة بين قوة القرار ورشد التنفيذ، وبين صلابة الموقف ومرونة الوسيلة، تمثل الضمانة الحقيقية لاستدامة الأمن وحماية المكتسبات. وفي ظل عالم لا يعترف إلا بالأقوياء القادرين على التكيّف والتجدد، تبقى المملكة العربية السعودية نموذجًا لدولة تدرك أن بناء المستقبل يبدأ من ترسيخ الداخل، وأن وعي المجتمع ويقظته في وجه الشائعات هما الحصن الذي تتكئ عليه الدولة في مواجهة العواصف، لتبقى رايتها عالية، ومسيرتها ثابتة، وطموحاتها ممتدة نحو آفاق أرحب من الاستقرار والازدهار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى