الصدى الأدبي

حين تطوي الأرواح مسافات الشوق ..”العابر مغمور بالمشاعر”

ترانيم العبور في رحاب الحرمين:

بقلم : ديمة الشريف
عتبة الشوق: رحلة العمر المخبأة في الصدور
ثمة رحلات تُقطع بالأقدام، ورحلاتٌ أخرى تُقطع بالقلوب قبل أن تصل إليها الأبدان. في نصها البديع، تضعنا الكاتبة ديمة الشريف أمام مشهد إنساني مهيب؛ مشهد أولئك الذين قايضوا سنوات العمر بعرق الجبين، وادخروا من قوت يومهم لسنواتٍ طوال، لا لشيء إلا للفوز بلحظة وقوفٍ باكنة أمام الكعبة المشرفة. إن “العابر” هنا ليس مجرد مسافر، بل هو مكافحٌ توّج صبر سنينه بلمس عتبات الطهر في مكة والمدينة، حيث يغدو المال والجهد والوقت مجرد قرابين زهيدة في محراب الوصول.

في مكة: انكسار الذات وعظمة الموقف
عندما يطل “العابر” على الكعبة، تتوقف لغة الكلام وتبدأ لغة الدموع. تصف الكاتبة هذا المزيج المذهل من “الخشوع والإيمان”، حيث يرتوي الزائر من ماء زمزم ليغسل عناء الطريق وشوائب الروح. إن الطواف حول البيت العتيق يمثل ذوبان الفوارق البشرية؛ فالكل هناك “عابرون” جاؤوا بقلوبٍ مخبتة، يرفعون دعواتهم المغمورة بالحب والشوق، لتختلط بآهات التائبين وسجدات الشاكرين في لوحة ربانية لا تضاهى.

جوار المصطفى: سكينة المدينة وهيبة اللقاء
لا تكتمل رحلة الروح إلا بالتوجه صوب طيبة الطيبة، حيث السلام على النبي الكريم ﷺ. هناك، تنهمر السكينة في روع الزائر، ويستشعر “حظ أهل المدينة” الذين يتنفسون هذا العبق النبوي كل صباح. إنهم الجيران الذين يشهدون يومياً فيض المشاعر المنهمرة من زوارٍ جاؤوا من أقاصي الأرض، يحملون في حقائبهم آلاف الدعوات وأطنان المودة لهذا الوطن العظيم الذي احتضن الرسالة وبثّ الأمان.

وطن العطاء: خدمة تفوق الوصف
في ثنايا النص، تبرز لمحة وفاء مستحقة لـ حكومتنا الرشيدة، التي لم تدخر جهداً في تسخير كافة الإمكانيات لراحة ضيوف الرحمن. إن ما يقدمه هذا الوطن ليس مجرد خدمات لوجستية، بل هو “احتضان” للأرواح قبل الأجساد. فمنذ لحظة الوصول وحتى الوداع، يجد الزائر عيناً ساهرة وقلباً محباً يخدم الصغير والكبير، في منظومة أمن وأمان تجعل المتعبد يتفرغ تماماً لخالقه، شاعراً بالسكينة والاعتزاز بكونه في كنف دولةٍ جعلت خدمة الحرمين الشريفين تاج فخرها.

الخاتمة: دعاءٌ مستجاب وأثرٌ باقٍ
يظل “العابر مغمور بالمشاعر” لأن التجربة أكبر من أن تحيط بها الكلمات. لقد وفقت الكاتبة في نقل هذه الصورة التي تفيض بالحب للوطن والمقدسات، مؤكدة أن هذه البقاع ستظل منارة للأفئدة، وملاذاً لكل من أتعبته الدنيا ليجد في رحابها الراحة واليقين. أدام الله على بلادنا نعمها، وتقبل من كل زائرٍ دمعته ودعاءه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى