مقالات و رأي

حين يكون التسامح وعيًا لا ضعفًا

✍🏻 : إسماعيل محمد الفقيه

ليس كل صمتٍ ضعفًا ، ولا كل عفوٍ انكسارًا ، فبعض النفوس ترتقي فوق الجراح لأنها أكبر من أن تُستنزف في الخصام ، وأصفى من أن تحمل في قلبها أعباء الكراهية . 

غير أن التسامح الحقيقي ليس بابًا مفتوحًا لكل أذى ، وليس تصريحًا دائمًا للآخرين كي يعبروا فوق مشاعرنا وحقوقنا دون اكتراث ؛ فهناك فرقٌ شاسع بين قلبٍ متسامح ، وقلبٍ اعتاد التنازل حتى أضاع نفسه .

التسامح الواعي هو ذلك الخُلُق النبيل الذي يجمع بين الرحمة والحكمة ، بين صفاء القلب وحفظ الكرامة . 

أن تعفو وأنت قادر على الرد ، لكنك في الوقت ذاته تدرك أن للعلاقات حدودًا ، وأن النفوس إن لم تجد موقفًا حازمًا تمادت في الخطأ . 

فليس كل من اعتذر تغيّر ، وليس كل من بكى ندم ، وبعض البشر لا يتعلمون احترام القلوب إلا حين يدركون أن للصبر نهاية ، وللتجاوز ثمنًا .

إن الإنسان الواعي لا يحمل الأحقاد ، لكنه أيضًا لا يسمح للأذى أن يصبح عادة . 

يسامح لأن قلبه أوسع من الضغينة ، لكنه لا يكرر منح الثقة بلا بصيرة . 

يعرف أن العفو خُلُق الكبار ، وأن الكرامة كذلك من شيم الكبار . 

لذلك لا يعيش أسير الانتقام ، ولا يقبل أن يكون ضحيةً دائمة لسوء الآخرين .

وما أجمل التسامح حين يكون نابعًا من قوة النفس لا من خوف المواجهة ؛ فالقوي حقًا ليس من ينتصر في كل معركة ، بل من يختار المعارك التي تستحق روحه . 

أحيانًا يكون التجاهل أرقى من العتاب ، والابتعاد أهدأ من الضجيج ، والعفو أسمى من استنزاف القلب في محاسبة من لا يُقدّر المشاعر .

التسامح الواعي لا يطفئ الشخصية ، بل يهذبها . 

لا يُلغي الحزم ، بل يمنحه إنسانية راقية . وهو أشبه بميزانٍ دقيق ؛ كفةٌ للعفو ، وكفةٌ لحفظ النفس من التكرار المؤلم . فمن سامح بوعي عاش مطمئن القلب ، لا يلوث روحه بالحقد ، ولا يفرّط في حقه تحت اسم الطيبة .

ولهذا فإن أجمل الناس ليسوا أولئك الذين لا يغضبون أبدًا ، بل الذين يعرفون متى يعفون ، ومتى يصمتون ، ومتى يقولون بهدوءٍ كريم :

“ لقد سامحت … لكنني تعلّمت ” ..

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى