مقالات و رأي

في معترك الحيرة

الدكتورة : إيمان حماد الحماد
بنت النور

يا لَهُ من ليلٍ طالَ سُهادُه، وغابَ عَن المقلةِ رُقادُه. فِكرٌ حائر، ودَمعٌ غازر، وجرح غائر ، والقلب يرفرف وكأنه على جناخ طائر ، وقرارٌ في غياهبِ الصدرِ جائر.
نَقِفُ على مفرقِ الطُّرق، بينَ رجاءٍ يبرق، وخوفٍ يحرِق. نُقايضُ الرَّاحةَ بالظنون، ونُسهرُ من أجلِ الغدِ العيون. فالعقلُ في جِدال، والقلبُ في اشتعال، واليقينُ بعيدُ المنال.

تتزاحمُ في الرأسِ الأسئلة، وتتعاظمُ أمامنا المعضلة. نطلبُ الخلاصَ فلا نَجِدُه، ونرجو الصوابَ فلا نُعضِدُه.
هي الحيرةُ تسرقُ الأعمار، وتُشتتُ الأفكار، وتجعلُ النَّهارَ كليالٍ بلا أنوار. فكأنَّنا في بَحْرٍ لُجِّي، لا مرسى فيهِ ولا مَنجي، إلا بصبرٍ جميل، وركنٍ مَنيعٍ جليل.

إنَّ استنزافَ الرُّوحِ في ملاحقةِ المجهولِ يهُدُّ البدن، ويُلبسُ القلبَ ثوبَ الحَزَن؛ فخفّف عن نَفسِك وطأةَ التفكير، واعلم أنَّ المقاديرَ تجري بحِكمةِ الخبير.
خُذ بمبدأ “الاستخارة” لتسكنَ جوارحُك، وبمبدأ “الاستشارة” لتتضحَ مصالحُك، ثمَّ امضِ في قرارِك بقلبٍ مُطمئن.

وتذكّر أنَّ صِحتك أغلى من نتيجةِ أيِّ قرار، وأنَّ القلقَ لا يُغيّرُ ما كُتِبَ في الأقدار. مارِس التنفّسَ العميق لتُهدئَ ثورانَ أعصابِك، وأعطِ جسدَك حقَّه من الرَّاحةِ ليتجددَ صوابُك. والرضا هو مِفتاحُ النجاة؛ فإذا وقعَ الأمرُ فَقُل: “قدّر الله وما شاء فعل”، فما كانَ لكَ سيأتيكَ باللُّطف، وما صُرِفَ عنكَ فقد حُفِظتَ منهُ بالرَّحمة.
ارضَ بالمقسومِ تَكُن أغنى الناس، ونَم قريرَ العينِ، فالتدبيرُ بيدِ من لا يغفلُ ولا ينام.

ولنا في الشعر متنفس :

يَبِيْتُ الشَّكُّ فِي عَيْنِي سُهَادَا .. وَيَأْكُلُ حِيْرَةً قَلْبِي المُرَادَا
أُقَلِّبُ فِي كُفُوفِ اللَّيْلِ أَمْرِي .. فَلا نِلْتُ الرَّشَادَ وَلا السَّدَادَا
أَرَى الدَّرْبَيْن ، لَيْتَ الفَجْرَ يَحْكِي .. وَأَيُّ مَسَالِكِ الأَقْدَارِ نَادَى؟
سَرَقْتَ النَّومَ يَا هَمًّا طَوِيْلاً .. وَأَوْرَثْتَ الْحَشَا جَمْراً وَقَادَا
أيَا رَبِّي، إلَيْكَ بَسَطْتُ كَفِّي .. فَأَلْهِمْ خَافِقِي صِدقَا أَرَادَا

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى