مقالات و رأي

تأثير الكوبرا… حين تتحول مؤشرات الأداء إلى فخٍ إداري.

بقلم: بروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي..عضو هيئة تدريس سابق / جامعة أم القرى.
مستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة التنفيذية.
أشارت البحوث الإدارية الحديثة إلى قصة شهيرة عرفت فيما بعد باسم “تأثير الكوبرا”. وتتلخص في أن السلطات البريطانية في دلهي خلال فترة الاستعمار سعت إلى القضاء على انتشار ثعابين الكوبرا عبر إعلان مكافأة مالية لكل جلد كوبرا يتم تسليمه للإدارة. بدا القرار في الوهلة الأولى ظاهره منطقياً وفعالاً إذ يفترض أن يدفع الحافز المالي الناس للمشاركة في الحد من المشكلة.

في البداية نجحت الخطة ظاهرياً، وانخفض عدد الثعابين بالفعل لكن ما حدث لاحقاً كشف خللاً عميقاً في طريقة التفكير الإداري فقد بدأ بعض السكان إستغلال الحافز المالي بتربية الكوبرا داخل منازلهم للاستفادة من المكافآت المالية بصورة مستمرة. وحين اكتشفت الإدارة الأمر وألغت الحوافز أطلق مربو الثعابين ما لديهم في الشوارع بعد أن فقدت قيمتها الاقتصادية، فعادت المشكلة بصورة أكبر مما كانت عليه.

وعموماً سواء لو كانت القصة دقيقة تاريخياً أم أضافت إليها القصص الشعبية شيئاً من المبالغة، فإنها فعلاً تعبر عن ظاهرة حقيقية في الإدارة والتخطيط الاستراتيجي ، وهي أن الحوافز المصممة لمعالجة مشكلة ما قد تتحول أحياناً إلى سبب مباشر في تعقيدها إذا لم تتصمن ضمن منظومة تخطيط ومتابعة دقيقة.

وتعد هذه الظاهرة تطبيقاً عملياً لما يعرف بـ Goodhart’s Law، والذي ينص على أن:
“حين يصبح المقياس هدفاً، يفقد قيمته كمقياس”.

فالمؤشرات في الأصل وجدت لمساعدة الإدارة على فهم الواقع وتحسينه لكنها تتحول إلى مشكلة عندما تصبح غاية مستقلة بذاتها. وهنا تقع كثير من المؤسسات في خطأ شائع يتمثل في التركيز على الأرقام والإحصاءات ومؤشرات الأداء أكثر من التركيز على جودة الأهداف الحقيقية التي صممت المؤشرات لقياسها.. فتتحول الإدارة تدريجياً من إدارة للنتائج إلى إدارة للتقارير.

فمثلاً ففي بعض المؤسسات يقاس نجاح موظف خدمة العملاء بسرعة إنهاء المكالمات، فيتعلم الموظف إنهاء الاتصال بسرعة حتى لو لم تحل المشكلة فعلياً. وفي بعض الجهات يقاس الأداء بعدد القضايا المغلقة، فيتجنب الموظفون الملفات المعقدة ويتجهون إلى القضايا السهلة لتحسين أرقامهم. وفي قطاع التعليم قد تُربط جودة المدرسة بنسبة النجاح فقط، فيتحول التعليم إلى تدريب على اجتياز الاختبارات بدلاً من بناء المعرفة الحقيقية.

المشكلة هنا ليست في القياس نفسه، فالإدارة الحديثة لا يمكن أن تعمل بلا مؤشرات، ولكن الخلل يظهر عندما تختزل القضايا المعقدة في مؤشر واحد، أو عندما تُصمم الحوافز دون دراسة السلوك البشري المتوقع تجاهها.

ومن منظور التخطيط الاستراتيجي، فإن أي مبادرة ناجحة يجب أن تبدأ أولاً بصياغة أهداف واضحة ودقيقة وقابلة للتنفيذ والقياس ثم تحويلها إلى خطط تشغيلية مرتبطة بجدول زمني محدد، مع توزيع واضح للمسؤوليات والصلاحيات وآليات المتابعة والتقييم المستمر.

وعندما نعود لقصة الكوبرا فإن الخطأ الذي وقع في “تأثير الكوبرا” فيكمن في أن الإدارة أعلنت الحافز بصورة عامة دون:
* تحديد إطار زمني واضح للمبادرة.
* و بناء نظام رقابي فعال.
* و تنفيذ تقييم مرحلي مستمر.
* و مراجعة الآثار الجانبية الناتجة عن الحافز.

ولو وجدت مراجعات دورية دقيقة لتمكنت الإدارة من قياس:

* نسبة انخفاض المشكلة الحقيقية،
* والسلوكيات غير المتوقعة الناتجة عن القرار،
* والفجوات التنفيذية.
* ومدى اقتراب الخطة من تحقيق هدفها الأساسي.

ومن زاوية التحليل الاستراتيجي SWOT، فإن المجتمع تعامل مع القرار الحكومي بوصفه “فرصة” (Opportunity) يمكن استثمارها اقتصادياً، فبدلاً من القضاء على الكوبرا، تحولت الثعابين إلى مصدر دخل مستدام لدى أفراد المجتمع ، وهنا يظهر بوضوح أن الإنسان غالباً ما يعيد الإنسان تشكيل سلوكه بما يتلاءم مع الحوافز التي تحقق له أكبر استفادة. ولهذا فإن السؤال الأهم في تصميم مؤشرات الأداء ليس:
ماذا نريد أن نقيس؟
بل أي سلوك سيدفع إليه هذا المؤشر؟
فالناس ربما لا يتحركون غالباً وفق النوايا النظرية للإدارة، وإنما وفق ما تتم مكافأتهم عليه عملياً.
ومن هنا تظهر أهمية بناء منظومة قياس متوازنة لا تعتمد على رقم منفرد، بل تجمع بين:
* المؤشرات الكمية،
* والتقييم النوعي،
* والملاحظة الميدانية،
* وتجربة المستفيد الحقيقية،
* والتحليل المستمر للآثار الجانبية.
كما أن الإدارة الفعّالة لا تكتفي بالنظر إلى التقارير ولوحات البيانات، بل تنزل إلى الميدان، وتتابع الواقع الفعلي، وتستمع للموظفين والعملاء لأن كثيراً من المشكلات لا تظهر في الأرقام وحدها.

إن “تأثير الكوبرا” ليس مجرد قصة طريفة في التاريخ الإداري، بل درس عميق في فهم الإنسان والمؤسسات. فالخلل لا يكمن في وجود مؤشرات الأداء، وإنما في تحويل المؤشر إلى هدف مستقل عن الغاية الحقيقية التي وُضع من أجلها.
ولهذا فإن الإدارة الحكيمة لا تسأل فقط هل تحسن الرقم؟
بل تسأل قبل كل ذلك السؤال المهم ..هل تحسن الواقع الذي صمم الرقم لتمثيله؟

وهذا هو الفارق الحقيقي بين مؤسسة تنشغل بصناعة التقارير ومؤسسة تنشغل بصناعة الأثر الحقيقي والإنجاز المستدام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى