مراكبٌ تتبدّل .. والشوقُ واحد

✍🏻 : إسماعيل بن محمد الفقيه
حين صدح نداءُ الخليل إبراهيم عليه السلام : ﴿ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ .
لم يكن نداءً لزمنٍ بعينه ، بل كان نداءً ممتدًّا في أعماق التاريخ ، تتلقّاه القلوب قبل أن تسمعه الآذان ، فتتحرك الأرواح شوقًا إلى البيت العتيق من كل فجٍّ عميق .
ومنذ ذلك النداء ، والحجّ رحلةُ شوقٍ لا تنقطع ، تتبدل فيها المراكب وتبقى الوجهة واحدة ، ويتغير الطريق ويبقى الحنين ثابتًا لا يشيخ .
في العصور الأولى ، كانت القوافل تمضي على خُطا الرمال ، والحاجّ يخرج من أهله وكأنه خارجٌ إلى قدرٍ مجهول .
زاده قليل ، وصبره طويل ، ورفيقه الدعاء .
تسير الإبل — سفائن البر — في فلاةٍ لا نهاية لها ، تتمايل تحت شمسٍ حارقة ، بينما تتردد التلبية على الألسنة : “لبيك اللهم لبيك”.
وكان الطريق مدرسةً للصبر ؛ خوفٌ ووحشة ، وجوعٌ وعطش ، وأيامٌ تُطوى على ظهر الإبل أو على الأقدام ، حتى إذا ما لاح البيت الحرام ، انهمرت الدموع قبل الوصول ، وكأن القلب قد سبق الجسد إليه .
وكان من الحجاج من يكتب وصيته قبل الرحيل ، لا يدري أيلتقي بأهله مرةً أخرى أم يكون الطريق آخر عهده بالدنيا ، ومع ذلك ظلّ الشوق إلى البيت الحرام أقوى من الخوف ، وأعظم من مشقة الطريق .
ثم جاء زمنُ السفن ، فركب الحجاج عباب البحر ، تمخر بهم المراكب من أقاصي الأرض ، تختلط فيه أصوات الأمواج بالتكبير والدعاء ، حتى صار البحر طريقًا آخر من طرق الشوق ، لا يقل مشقةً ولا يقل إيمانًا .
ثم أخذت الطرق تتبدل ، فشقّت القاطرات قلبَ الصحراء ، واختصرت السيارات ما كانت القوافل تقطعه في شهور ، غير أن الحقيقة بقيت كما هي : الأرواح تسافر إلى مكة قبل الأجساد .
رحلةٌ كانت تستغرق شهورًا تحت وهج الشمس ، أصبحت اليوم تُقطع في ساعات ، لكن القلب ما يزال يقطع المسافة نفسها إلى الله .
ومع اتساع أعداد الحجيج عبر العصور ، تعاظمت مسؤولية خدمة ضيوف الرحمن ، حتى أصبحت العناية بالحج رسالةً تتجاوز حدود الإدارة إلى شرف الخدمة وواجب الرعاية ؛ إذ لم يعد الحاج مجرد مسافرٍ يقطع الطريق إلى مكة ، بل ضيفًا تُسخَّر لأجله الطاقات ، وتُبذل في سبيل راحته الجهود .
ومع هذا التحول العظيم ، لم تعد العناية بالحج مجرد انتقالٍ في الوسائل ، بل أصبحت منظومةً متكاملة من الرعاية والتنظيم ، سخّرتها حكومةُ مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله ، وسمو سيدي ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه فذللوا كافة الصعوبات ، ويسروا السبل ، حتى يؤدي ضيوف الرحمن مناسكهم بأمنٍ وطمأنينةٍ ويُسر .
فبين توسعة الحرمين الشريفين ، وتطوير المشاعر المقدسة ، وشبكات النقل الحديثة ، والخدمات الصحية والأمنية ، والتقنيات الرقمية التي يسّرت إجراءات الحج وخدماته ، تتجلى صورةٌ مشرقة لعنايةٍ جعلت من الرحلة الإيمانية تجربةً أكثر سكينةً وطمأنينة ، وأقل مشقةً ، وأعمق روحانية .
واليوم ، صار للحجّ أجنحةٌ من نور ، تحملها الطائرات من كل قارة ، فتلتقي وفود المسلمين في زمنٍ واحد ومكانٍ واحد ، وتتعالى التلبية بلغاتٍ شتى ، يجمعها لحنٌ واحد : “لبيك اللهم لبيك”.
ولم تعد رحلة الحج اليوم مجرد رحلةٍ يؤدي فيها المسلم نسكه فحسب ، بل غدت مشهدًا إنسانيًا عظيمًا تتجلّى فيه وحدة الأمة ؛ ملايين البشر يختلفون لونًا ولغةً ووطنًا ، لكنهم يقفون بلباسٍ واحد ، وغايةٍ واحدة ، ودعاءٍ واحد ، وكأن الدنيا كلها تذوب في معنى العبودية لله .
فالحج ليس انتقالَ جسدٍ إلى مكان ، بل ارتحالُ روحٍ إلى يقين .
وهكذا ، يبقى الحجّ في كل زمان رحلةً واحدة في جوهرها ؛ تختلف مراكبها ، لكن القلوب هي الراحلة الحقيقية ، تمضي من الأرض إلى السماء ، ومن التعب إلى الصفاء ، ومن الدنيا إلى الله .
وسيظلّ نداء الخليل إبراهيم عليه السلام عابرًا للقرون ، لا تُطفئه المسافات ، ولا تغيّره الأزمنة ؛ فكلما تغيّرت وسائل السفر بقي الطريق إلى الله هو الطريق الأقدم في قلب الإنسان ، وبقيت التلبية الصوتَ الذي يوحّد الأرض كلّها تحت سماءٍ واحدة : “لبيك اللهم لبيك” .
baish7984@gmail.com



