مقالات و رأي

خيبةٌ من صُنع توقّعاتنا

بقلم : أمل بازيد

«سبق السيفُ العَذَل» ، مثلٌ عربي قديم يُقال حين يقع ما لا يستطيع اللوم بعده أن يغيّر شيئًا. لكن ماذا لو لم تكن الخيبة في وقوع ما حدث فقط، بل في أننا رأينا مقدماته، ثم منحناها من حسن ظننا ما يكفي لتبدو أقل وضوحًا؟

ربما لهذا تؤلمنا بعض الخيبات أكثر من غيرها؛ لأنها لا تكشف لنا حقيقة الآخرين فحسب، بل تكشف مقدار ما أضفناه نحن إلى صورتهم.

فليست كل خيبة أمل وليدة وعدٍ لم يُوفَ به، ولا كل خذلان سببه أن أحدهم تغيّر فجأة. بعض الخيبات تبدأ حين نمنح الآخرين، دون أن نشعر، شيئًا من صفاتنا، ثم ننتظر منهم أن يتصرفوا وفقها.

نفترض أن الصدق عندهم يشبه صدقنا، وأن الوعد يحمل في نفوسهم الوزن الذي يحمله في نفوسنا، وأن العهد لا يُنقض لأننا نحن لا نستطيع نقضه. وهنا تبدأ المسافة بين ما توقعناه وما كان موجودًا فعلًا.

فالإنسان يعرف ماذا تعني له الكلمة، وكم يتردد قبل أن يَعِد، وكم يثقل عليه أن يخلف وعدًا. ثم يخرج إلى الحياة حاملًا هذا الميزان، ويزن به الآخرين، ناسيًا أن الضمائر لا تتشابه، وأن القيم لا تسكن النفوس بالمقدار ذاته.

ولهذا قد لا تكون المشكلة دائمًا في أننا وثقنا، بل في أننا أكملنا ما لم نعرفه عن الآخر بما نعرفه عن أنفسنا.

نرى التردد فنسمّيه ظرفًا، والتناقض فنلتمس له عذرًا، وإخلاف الوعد فنعدّه استثناءً. لا لأن الحقيقة غائبة تمامًا، بل لأن حسن الظن يجعلنا أحيانًا نؤجل الحكم حتى تتكلم المواقف بصوت لا يمكن تجاهله.

وهنا يحضر قول زهير بن أبي سلمى:

«ومهما تكن عند امرئٍ من خليقةٍ
وإن خالها تخفى على الناس تُعلَمِ»

فالوقت لا يصنع حقيقة الإنسان بقدر ما يكشفها، والمواقف لا تغيّر الناس دائمًا، بل قد ترفع الستار عن جانب لم نكن نراه بوضوح.

ولذلك لا يؤلمنا إخلاف الوعد وحده، بل سقوط اليقين بمن قطعه. ولا يوجعنا الموقف بقدر السؤال الذي يتركه خلفه: كيف لم نرَ ذلك من قبل؟

وربما رأينا… لكننا لم نرد أن نظلم أحدًا بحكم متعجل، أو أن نهدم صورة كاملة بسبب موقف واحد.

غير أن الفرق كبير بين حسن الظن وتجاهل التكرار، وبين منح الفرصة ومنح اليقين. فالثقة ليست حكمًا مسبقًا على النوايا، وإنما معرفة تراكمية تصنعها الأيام؛ لأن الكلمات تخبرنا بما يريد الإنسان أن يقوله عن نفسه، أما المواقف فتخبرنا بما هو عليه.

والوعد لا تثبته لحظة قوله، بل اللحظة التي يصبح فيها الوفاء به صعبًا. فالقيم الحقيقية تظهر حين يكون التمسك بها أكثر كلفة من التخلي عنها.

ومن هنا تصبح الخيبة درسًا يتجاوز الشخص والموقف إلى فهم أعمق للعلاقات الإنسانية: لا تجعل أخلاقك دليلًا على أخلاق الآخرين.

ولا يعني ذلك أن نشك في الجميع، أو أن نتخلى عن صفائنا لأن أحدًا لم يكن أهلًا لثقتنا؛ فالحذر ليس سوء ظن، كما أن حسن الظن لا يعني أن نغمض أعيننا عن وضوح الأفعال.

همسة امل…

دع الإنسان يعرّف نفسه بنفسه.

لا تستبق الحقيقة بصورة مثالية، ولا بحكم قاسٍ. اترك للمواقف أن تقول كلمتها، وللوقت أن يكشف ما لا تستطيع الكلمات إثباته؛ فالثقة التي تبنيها الأيام أرسخ من الثقة التي تصنعها التوقعات.

لا تجعل الخيبة تغيّر أجمل ما فيك، ولكن دعها تغيّر طريقة قراءتك للآخرين. احتفظ بوفائك وصدقك واحترامك للكلمة؛ فهي أخلاق تعبّر عنك أنت، وليست ضمانًا لما يحمله سواك.

فبعض الخيبات لا يصنعها ما فعله الآخرون وحدهم، بل ما توقعناه منهم حين ظننا أن ضمائرهم تشبه ضمائرنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى