شيخ المؤرخين الدكتور تنيضب الفايدي حين يجسد الإنسان تاريخ المكان

بقلم : أحمد القاري
هناك رجال يمرون في الحياة، وهناك رجال يتركون في الحياة أثراً لا تمحوه السنون، وهناك من يكتبون التاريخ، وهناك من يعيشون أحداثه حتى يصبح جزءاً من ملامحهم، ونَفَساً من أنفاسهم، ورسالةً أفنوا أعمارهم في أدائها.
ومن هذه القامات السعودية التي تستحق أن تُذكر بكل وفاء وتقدير، الدكتور تنيضب بن عوادة الفايدي – مدير تعليم منطقة المدينة المنورة سابقاً – ، والمؤرخ البلداني الذي أفنى جانباً كبيراً من حياته في خدمة التاريخ، وتوثيق الأمكنة، وتتبع المعالم والآثار، وجمع الروايات والمصادر، حتى غدا اسمه حاضراً في المشهد التاريخي والثقافي في المدينة المنورة وما حولها.
ولست أكتب عن الدكتور تنيضب اليوم بصفتي قارئاً لكتبه فحسب، وإنما أكتب عنه بصفتي واحداً ممن عرفوه عن قرب، وزاروه مراراً، ونهلوا من علمه وأدبه وكرمه، وقد كنت ولا أزال أعد نفسي ابناً مقرباً من هذا الأب الكريم، الذي وجدت عنده العلم ممزوجاً بالتواضع، والمعرفة محاطةً بالأخلاق، والتاريخ حياً في حديثه وذاكرته ومجالسه.
ولعل من الألقاب التي أجدها لائقة بهذا المؤرخ النحرير، وأحب أن أطلقه عليه: «شيخ المؤرخين».. وقد يبدو هذا اللقب كبيراً لمن جهل مقام الدكتور تنيضب، لكنه في نظري ليس مبالغة في حق رجل جعل التاريخ مشروع عمر، وإنما هو وصف لما أراه من أثره في هذا المجال؛ فقد سار في منهجه على طريقة المؤرخين المتقدمين، فلم يكتفِ بنقل المعلومة، وإنما تتبع مصادرها، ونقّب في مراجعها، وربط الروايات بعضها ببعض، وأعمل النظر في المكان والزمان والأحداث، حتى جاءت مؤلفاته شاهدة على سعة علمه وغزارة اطلاعه.
وإن كنت أطلق عليه لقب «شيخ المؤرخين» ، فإنما أطلقه محبةً وتقديراً ، وإيماناً بأن الرجال أمثاله لا ينبغي أن تمر سيرتهم دون أن نقف عندها، ولا ينبغي أن تظل أعمالهم بين رفوف المكتبات دون أن نعرّف الأجيال بقيمتها.
وحين تقرأ كتبه، تدرك أن الأمر لم يكن تأليفاً عابراً ، وإنما هو عمل شاق يحتاج إلى نفس طويل وصبر لا ينفد. ويكفي أن بعض مؤلفاته بلغت مئات الصفحات المصورة، وأن قائمة المصادر والمراجع التي اعتمد عليها في بعض أعماله تتجاوز ستَ مئة مصدر؛ وهو رقم يكشف وحده عن حجم الجهد الذي بذله، وعن سعة اطلاعه، وبعد أفقه، وعلو كعبه في علم التاريخ والبلدان.
فهو لا يكتب عن المكان من بعيد، بل يحاول أن يجعلك تراه كما كان، وأن تستشعر تاريخه، وأن تعرف موضعه ومكانته وما ارتبط به من أحداث وروايات وشواهد، ولذلك فإن أعماله ليست صفحات تاريخية جامدة، إنما تراها أقرب إلى خرائط حية للذاكرة والمكان.
وإذا كان المؤرخ يوثق الماضي، فإن الدكتور تنيضب الفايدي يفعل أكثر من ذلك؛ فهو يسهم في حفظ ذاكرة المكان للأجيال القادمة، وتثبيت المواقع، وتوثيق المعالم والآثار، وجمع ما يمكن جمعه من الشواهد قبل أن تطويه يد النسيان! وما أجمل أن تجتمع في الإنسان موهبة العلم مع جمال الخلق.
لقد عرفته أباً كريماً، ومعلماً حانياً، ومؤرخاً قوياً، ورجلاً واسع الصدر، حاتمي الطبع في ضيافته.. ما إن تدخل مجلسه حتى تشعر أنك أمام رجل يستقبلك بالمحبة قبل أن يستقبلك بالكلمة، ويودعك بالبشاشة نفسها التي استقبلك بها.
ولا يزال مجلسه مفتوحاً لأهل العلم والثقافة والأدب والتاريخ، يستقبل المهتمين بشؤون المعرفة بكل بِشر ويمن، وكأن سنوات العمر الطويلة لم تُضعف فيه شغف العلم، ولم تطفئ فيه حفاوة اللقاء.
ومن أجمل ما في هذا الرجل أنه لا يحتفظ بعلمه لنفسه؛ فهو يكرم زواره بإهداء مؤلفاته، ويمنحهم من علمه ووقته وذكرياته، وكأن الكتاب الذي ألفه لا يكتمل عنده إلا حين يصل إلى يد قارئ ينتفع به.
وفي يمينه دائماً ، يقف ابنه عبدالرحمن بن تنيضب الفايدي، بارك الله فيه ووفقه، قريباً من والده، معيناً ومساعداً، وسنداً له في مشواره، حتى أصبح حضوره إلى جانب أبيه صورة جميلة من صور الوفاء والبر.
وهنا تتجلى عظمة العلماء في شخصية الدكتور تنيضب؛ فالعالِم لا يُقاس بعدد الكتب التي ألفها فقط، وإنما يُقاس بما يتركه من محبة في نفوس الناس، وبما يزرعه من أثر في تلاميذه ومحبيه، وبما يقدمه للأجيال من معرفة لا تنقطع بانقطاع حياته.
لقد أفنى الدكتور تنيضب الفايدي حياته في العلم والتعليم والتاريخ، وترك نتاجاً علمياً كبيراً يشهد له.. وما زال – رغم ما بذله من عمر وجهد – يمنح من وقته وعلمه، ويستقبل الباحثين والمهتمين، ويشاركهم معرفته وخبرته.
وإذا كان التاريخ ذاكرة الأمم، فإن المؤرخين هم حراس تلك الذاكرة، والدكتور تنيضب واحد من أولئك الذين حملوا هذه الأمانة بجد واجتهاد، فحفظوا للمكان قصته، وللمعلم دلالته، وللرواية مصدرها، وللأجيال القادمة شيئاً من ملامح الماضي الذي لا يجب أن يتلاشى ويضيع.
وأنا حين أكتب عنه، لا أريد أن أعدد فضائله العلمية للقراء، ولا أن أحصي مؤلفاته ومراجعه، وإنما أريد أن أقول له كلمة وفاء من رجل تعلم منه، وأحبه، ووجد في مجلسه علماً وأبوة وكرماً.
شكراً لك يا شيخ المؤرخين.
شكراً لك على عمرٍ بذلته في خدمة العلم، وعلى كتبٍ حفظت صفحات من تاريخ بلادنا، وعلى مجالس فتحت أبوابها للمحبين والباحثين، وعلى كرم لم يكن كرم الضيافة وحدها، بل كان كرم العلم والمعرفة والخلق.
وما زلنا نتعلم منك، ونتتلمذ على يديك، ونعود إلى كتبك ومجالسك كلما أردنا أن نعرف شيئاً من تاريخ المكان وعبق الماضي.
حفظك الله يا شيخ المؤرخين، وأبقاك ذاكرةً حيةً لمدينةٍ عظيمة، وبلادٍ عظيمة، وتاريخٍ يستحق أن يُروى، أسأل الله أن يجزيك عنا خير الجزاء، وأن يبارك في علمك وعملك، وأن يجعل ما قدمته في ميزان حسناتك، وأن يمتّعك بالصحة والعافية، وأن يمنّ عليك بالشفاء التام، وأن يطيل عمرك في طاعته وخدمة العلم والتاريخ.



