مقالات و رأي

العودة تبدأ من البيت… وتكتمل في المدرسة

روافد. سلوى الجهني

مع اقتراب نهاية الإجازة وبداية عام دراسي جديد، تتغير ملامح البيوت تدريجيًا ، تتبدل ساعات النوم، وتُرتب الحقائب، وتُشترى المستلزمات، وتبدأ الأسر في الاستعداد لأول يوم دراسي.

لكن خلف هذه التفاصيل اليومية، هناك استعداد آخر ربما يكون أكثر أهمية… استعداد المشاعر.

فالعودة إلى المدرسة لا تعني أن يستيقظ الأبناء مبكرًا فقط، ولا أن يرتدوا الزي المدرسي ويحملوا حقائبهم، وإنما تعني الانتقال من إيقاع الإجازة إلى إيقاع جديد يحمل معه مسؤوليات، وعلاقات، وتحديات، وفرصًا للتعلم والنمو.

وهنا تبدأ مسؤولية الأسرة.

قبل أن نجهز الحقيبة… لنجهز الإنسان

قد نحرص على شراء كل ما يحتاجه أبناؤنا للمدرسة، لكن هل سألناهم:

كيف تشعرون تجاه العودة؟

هناك طفل ينتظر المدرسة بشغف، وآخر يشعر بالقلق، وثالث يخشى معلمًا جديدًا، ورابع لا يزال متعلقًا بأيام الإجازة.

اختلاف المشاعر طبيعي.

ولذلك فإن التهيئة النفسية لا تقل أهمية عن تجهيز الأدوات المدرسية.

أن نستمع، أن نطمئن، أن نتحدث عن الجميل القادم، وأن نمنح أبناءنا مساحة للتعبير عن مخاوفهم دون سخرية أو تقليل.

لا نريد عودة مفاجئة

من الصعب أن ينتقل الطفل من السهر الطويل والاستيقاظ المتأخر إلى نظام مدرسي منتظم في يوم واحد.

لذلك يمكن للأسرة أن تبدأ تدريجيًا بإعادة تنظيم النوم، وتقليل السهر، وتنظيم أوقات الوجبات، وإعادة بعض العادات التي تساعد على التركيز والالتزام.

فالطفل لا يحتاج إلى صدمة في أول يوم.

يحتاج إلى انتقال هادئ.

لا تجعلوا النجاح يبدأ بالضغط

مع بداية العام الدراسي، قد تبدأ بعض الأسر بوضع قائمة طويلة من التوقعات:

درجات مرتفعة، تفوق، واجبات كاملة، مشاركة، مسابقات، وأنشطة…

وكل ذلك قد يكون جميلًا عندما يكون في حدود قدرة الطفل واحتياجه.

لكن علينا ألا ننسى أن أبناءنا ليسوا درجات.

قد يكون النجاح هذا العام أن يتعلم طفلٌ تنظيم وقته.

وقد يكون أن يكتسب آخر ثقة في الحديث أمام زملائه.

وقد يكون أن يتعلم ثالث كيف يطلب المساعدة.

وقد يكون أن يكتشف طالب موهبة لم يكن يعرفها عن نفسه.

فالنجاح ليس نسخة واحدة تناسب جميع الأبناء.

الأسرة شريك وليست مراقبًا

من أجمل ما يمكن أن تقدمه الأسرة في بداية العام الدراسي أن تتحول من دور المتابعة المستمرة إلى دور الشريك.

بدل أن يكون الحوار:

«هل أنهيت واجبك؟»

«كم درجتك؟»

«لماذا لم تحفظ؟»

يمكن أن نضيف أسئلة أكثر عمقًا:

ماذا تعلمت اليوم؟

ما الشيء الذي أسعدك؟

هل واجهت شيئًا لم تعرف كيف تتعامل معه؟

هل تحتاج منا إلى مساعدة؟

هذه الأسئلة لا تلغي المتابعة، لكنها تجعلها أكثر إنسانية.

وفي المدرسة تبدأ مرحلة أخرى من الرحلة

إذا كانت الأسرة هي نقطة البداية، فإن المدرسة هي البيئة التي تستكمل فيها الرحلة.

فالمدرسة ليست مكانًا لتلقي المعلومات فقط، بل بيئة تتشكل فيها شخصية الطالب وعلاقاته واتجاهاته.

فيها يتعلم كيف يتعاون، وكيف يحترم الاختلاف، وكيف يتحمل المسؤولية، وكيف يتعامل مع النجاح والتعثر، وكيف يكتشف قدراته.

وهنا يظهر الدور العظيم للمعلم.

فالمعلم لا يقدم درسًا فقط، بل قد يقدم للطالب كلمة تبقى معه سنوات.

وقد يكون موقفًا بسيطًا منه سببًا في أن يؤمن طالب بقدرته.

وقد تكون ملاحظة تربوية في وقتها بداية لتغيير كبير.

لهذا فإن أثر المعلم لا يقاس بعدد الدروس التي قدمها فقط، بل بالأثر الذي تركه في طلابه.

وبين البيت والمدرسة… يحتاج الطالب إلى جسر

أحيانًا لا تكون المشكلة في الطفل، ولا في الأسرة، ولا في المدرسة منفردة، وإنما في غياب التواصل بينها.

عندما تتحدث الأسرة مع المدرسة بلغة الاتهام، تخسر الشراكة.

وعندما تتعامل المدرسة مع الأسرة باعتبارها جهة شكوى فقط، تضيع فرصة مهمة.

وعندما يشعر الطالب أن كل طرف يتحدث عن الآخر بدلًا من أن يتعاون معه، يصبح هو الحلقة الأضعف.

لذلك نحتاج إلى علاقة تقوم على:

التواصل، والاحترام، والثقة، والمسؤولية المشتركة.

فالطالب ليس مشروعًا تتولاه الأسرة وحدها، ولا المدرسة وحدها.

إنه إنسان ينمو بينهما.

والمجتمع جزء من المشهد

حين تبدأ الدراسة، تتغير حركة المجتمع كله.

الطرقات، والمواصلات، والأسواق، والمرافق العامة، والأنشطة، وحتى سلوكنا اليومي.

ومن هنا فإن العودة للمدارس مسؤولية مجتمعية أيضًا.

أن نحترم الطريق.

أن نلتزم بالأنظمة.

أن نحافظ على سلامة الطلاب.

أن نحترم المعلم.

أن نمنح أبناءنا بيئة آمنة ومحفزة.

فالتربية لا تنتهي عند بوابة المدرسة.

المجتمع كله يشارك في تشكيل سلوك أبنائنا.

وماذا عن الأجهزة؟

من أكبر التحديات التي تواجه الأسرة اليوم أن يعود الطالب إلى المدرسة بينما لا يزال يعيش بإيقاع الأجهزة.

ليس الهدف أن نحول الأجهزة إلى عدو، وإنما أن نعيدها إلى مكانها الصحيح.

فالطالب يحتاج إلى النوم، والحركة، والقراءة، والحوار، واللعب، والعلاقات الاجتماعية، كما يحتاج إلى التقنية.

والتوازن لا يعني المنع الكامل، بل يعني أن يكون هناك وقت لكل شيء.

لنبدأ العام بسؤال مختلف

بدل أن نسأل أبناءنا:

«كم تريد أن تحصل في الاختبار؟»

فلنسألهم أيضًا:

«ماذا تريد أن تكون هذا العام؟»

هل تريد أن تكون أكثر تنظيمًا؟

أكثر قراءة؟

أكثر ثقة؟

أكثر تعاونًا؟

هل تريد أن تتعلم مهارة جديدة؟

أن تدخل نشاطًا؟

أن تتغلب على خوف؟

أن تكوّن علاقة أفضل؟

هنا ننتقل من تربية تركز على النتيجة إلى تربية تهتم أيضًا بالرحلة.

العودة فرصة… وليست عبئًا

كل عام دراسي جديد يمنحنا فرصة لنراجع بعض عاداتنا.

فرصة للأسرة لتقترب أكثر.

وللطالب ليكتشف نفسه.

وللمعلم ليترك أثرًا.

وللمدرسة لتطور بيئتها.

وللمجتمع ليكون أكثر وعيًا بدوره.

لذلك، لا تجعلوا أول يوم دراسي بداية للقلق والضغط.

اجعلوه بداية للحوار.

بداية لعادات أفضل.

بداية لعلاقة أكثر توازنًا مع التعليم.

وبداية لعام نريد أن يخرج منه أبناؤنا ليسوا أكثر نجاحًا في الاختبارات فقط…

بل أكثر قدرة على فهم أنفسهم، والتعامل مع الآخرين، وتحمل المسؤولية، وصناعة مستقبلهم.

فالعودة تبدأ من البيت…

وتكتمل في المدرسة، ويظهر أثرها في المجتمع.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى