مقالات و رأي

ما بين الانبهار والاطمئنان… تتجلّى الحقائق

الكاتبة / أمل بازيد
كاتبة صحفية إعلامية لايف كوتش ماجستير إرشاد نفسي

ننجذب أحيانًا إلى أشخاص قبل أن نعرفهم، وإلى أماكن قبل أن نعيش تفاصيلها، وإلى فرص تبدو مثالية لأنها لم تدخل بعد نطاق التجربة. فالبدايات تمنحنا انطباعًا، لكنها لا تمنحنا دائمًا معرفة كافية للحكم.

لذلك لا تنبهر حين تقترب… انبهر حين تطمئن، فالانبهار قد تصنعه كاريزما لافتة، أو حضور مميز، أو أسلوب جذاب، أو حديث مؤثر. وفي لحظاته الأولى قد يسبق الإعجاب قدرتنا على التقييم، فنلتفت إلى ما يجذبنا قبل أن ندرك ما وراءه.

وهنا يكمن الفرق بين الانبهار والاطمئنان؛ فالانبهار يسبق المعرفة، أما الاطمئنان فيأتي بعدها. الأول قد يتشكل في لحظة، بينما يحتاج الثاني إلى وقت يكشف الاتساق بين القول والفعل. الانبهار يخبرنا بما أعجبنا، والاطمئنان بما أصبح جديرًا بثقتنا.

وحين نعرف الأشخاص عن قرب، تتضح أمور لا تظهر في اللقاءات الأولى؛ كيف يتصرف الإنسان عند الاختلاف، وكيف يحفظ الاحترام حين يغضب، وكيف يتعامل عندما تتعارض المصالح، وهل تبقى قيمه ثابتة حين تتغير الظروف.

ولعل ذلك ما تختصره الحكمة المنسوبة إلى علي بن أبي طالب: «في تقلُّب الأحوال عُلِم جواهر الرجال.»

فالمواقف لا تصنع حقيقة الإنسان بقدر ما تكشفها، وكم من شخص لفتنا حضوره، ثم دفعتنا معرفته إلى مراجعة انطباعنا عنه، وكم من آخر لم يستوقفنا في البداية، ثم كشف التعامل معه عن صدق ونضج واتزان رفع مكانته في أعيننا. فالقرب لا يغيّر حقيقة الأشخاص، وإنما يمنحنا فرصة لرؤيتهم بوضوح أكبر.

ولا يقتصر ذلك على البشر؛ فقد ننجذب إلى مكان أو فرصة أو تجربة، ثم ندرك بعد خوضها أنها لا تلائمنا كما توقعنا. فليس كل ما يعجبنا يناسبنا، وليس كل ما نرغب فيه يمنحنا الراحة التي بحثنا عنها.

لهذا لا تجعل الانبهار معيارًا للاختيار. عندما تهدأ الدهشة، اسأل نفسك: هل ازداد تقديري لما عرفت أم تراجع؟ هل أشعر بالراحة أم بالحذر؟ هل أستطيع أن أكون على طبيعتي؟ وهل ما عرفته يؤكد انطباعي الأول أم يدعوني إلى مراجعته؟

اذهب حيث يرتاح قلبك بعد أن يطمئن عقلك؛ فالانبهار قد يدعوك إلى الاقتراب، أما الطمأنينة فتخبرك إن كان ما اقتربت منه يستحق البقاء.

همسة أمل

لا تجعل جمال البدايات حكمًا نهائيًا، ولا تمنح انبهارك مكانة لم تثبتها المعرفة. اقترب بوعي، واترك للوقت مساحة كافية ليكشف لك ما وراء الانطباع الأول.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى