إعلان مدفوع

إعلان
اعلانك يحقق اهدافك لاتتردد
مقالات و رأي

قطرة ماء… سر الحياة الذي نمرّ به كل يوم.

بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي.
أستاذ جامعي سابق ـ مستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.

في خطبة الجمعة الماضية كان الحديث عن الماء وأهميته في حياة الإنسان وما يحمله من دلالات تدعو إلى التأمل في قدرة الله سبحانه وتعالى. وقد استوقفتني الآية الكريمة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ سورة الأنبياء وهي آية يبقى الإنسان أمامها متأملاً مهما اتسعت معارفه العلمية.

أعادتني الخطبة إلى سنوات الدراسة الجامعية حين كنا نتعلم في مادة الكيمياء أن الماء على الرغم من مكانته الأساسية في الحياة، يتكون من عنصرين فقط: الهيدروجين والأكسجين وبالصيغة المعروفة H₂O. يعني ذرتان من الهيدروجين وذرة واحدة من الأكسجين تشكل هذا المركب الذي ارتبطت به حياة الإنسان والنبات والحيوان وأصبح أساساً لدورة الحياة على الأرض.

كما أعادتني إلى تجربتي في تدريس طلابي مادة الفسيولوجي حيث كنا نتوقف كثيراً أمام حقيقة علمية تستحق التأمل: أن جسم الإنسان نفسه يعتمد على الماء اعتماداً أساسياً في بنائه ووظائفه. فالماء يشكل في المتوسط تقريباً 60% من جسم الإنسان البالغ، مع اختلاف هذه النسبة بحسب العمر والجنس وطبيعة التكوين الجسماني.

وليس وجود الماء في جسم الإنسان مجرد نسبة من مكوناته بل هو عنصر أساسي في استمرار وظائفه الحيوية فهو يدخل في نقل العناصر الغذائية وتنظيم درجة حرارة الجسم، والمساعدة في العمليات الحيوية، والتخلص من الفضلات، والمحافظة على التوازن الداخلي لسوائل الجسم. وكلما تناولنا هذه الوظائف مع الطلاب، بدا واضحاً أن الحديث عن الماء لا يتعلق بمادة نشربها عند العطش فقط، بل بأحد أهم المقومات التي تقوم عليها الحياة داخل أجسادنا.

وعند الحديث عن الماء على الأرض التي نعيش عليه نجد صورة أخرى تدعو إلى التأمل فالماء يغطي تقريباً 70% من سطح الأرض، بينما تشكل اليابسة تقريباً 30% فقط. وهذه النسبة وحدها تعطي الماء نسبة كبيرة في تكوين البيئة التي نعيش فيها وإن كانت غالبية مياه الأرض مالحة، بينما تشكل المياه العذبة نسبة محدودة من إجمالي المياه على الكوكب.

وعموماً فإن معرفة التركيب الكيميائي للماء تفتح باباً لعدد من الأسئلة تعتبر أكثر عمقاً. لأن العلم يستطيع أن يشرح لنا كثيراً من خصائص الماء لكنه يكشف في الوقت نفسه عن مدى خصوصية هذا المركب ودوره الاستثنائي في استمرار الحياة.

ومن أوجه الإعجاز التي تستحق التأمل أن الماء يوجد في الطبيعة في صور متعددة كسائلاً نشربه ونروي به الأرض، وبخاراً يصعد إلى الغلاف الجوي، وجليداً يتجمد في درجات الحرارة المنخفضة.. وهذه الدورة المستمرة بين التبخر والتكاثف والهطول تشكل نظاماً متكاملاً وإعجازاً لتجدد المياه وتوزيعها الذي يجعل الماء جزءاً أساسياً للتوازن البيئي واستمرار الحياة.

ومن خصائصه المميزة أن الجليد يطفو فوق سطح الماء، بينما تصبح كثافة الماء في حالته الصلبة أقل من كثافته في الحالة السائلة لذلك وسبحان الله لولا هذه الخاصية لغاص الجليد إلى أعماق البحار والأنهار المتجمدة، ولتأثرت حياة كثير من الكائنات المائية.. وهي خاصية علمية قد تبدو في ظاهرها تفاصيل صغيرة ولكنها في الحقيقة تكشف عن دقة النظام البيئي الذي تقوم عليه الحياة.

علمياً يتميز الماء بقدرته على إذابة عدد كبير من المواد وهي خاصية جعلته أساساً لكثير من العمليات الحيوية داخل أجسام الكائنات الحية. فالإنسان يحتاج إليه لنقل العناصر الغذائية والمحافظة على التوازن الداخلي، والنبات يحتاج إليه للنمو والقيام بعملياته الحيوية كما تعتمد عليه النظم البيئية كلها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
إنها قدرة الله الخالق (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ) سورة النور: 45 ،(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) سورة هود: 7 ، (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) سورة البقرة: 164 .. والأيات كثيرة التي توجه الإنسان إلى معجزة الماء حيث وردت في عدد من السور وتتجلى دورة الماء في الطبيعة في قوله تعالى ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ) سورة الزمر: 21.
لذلك فإن قدرة الإنسان فقط أن يكتشفها ويتعامل معها إذ يستطيع العلماء تحليل الماء وفصل عناصره وتنقيته وتحليته والاستفادة منه في الصناعة والطب والزراعة، لكن كل ذلك يتم من خلال فهم التراكيب والخصائص التي أودعها الله في هذا الكون.

إن الدراسة والتأمل في إعجاز خلق الماء يقدم نموذجاً ملهماً ومهماً للعلاقة بين الإيمان والعلم.. فكلما تعمق الإنسان في دراسة الظواهر الكونية، اكتشف أن وراء الأشياء البسيطة التي نراها كل يوم تفاصيل مدهشة وعجيبة ، ونظماً متناهية الدقة.

لكن الإهتمام في قيمة الماء ينبغي ألا يبقى داخل قاعات الدراسة أو في لحظات التدبر والتأمل بل يجب أن يتحول إلى سلوك يومي إذ يجب أن نتعامل مع ترشيد الماء بوصفه استراتيجية بسيطة تبدأ من المنزل وتنطلق كمبادرات للترشيد في معظم المؤسسات والشركات .. هي إستراتيجية تقوم على قاعدة مهمة وهي أن “نستخدم حاجتنا ولا نهدر نعمتنا” والاستفادة من التقنيات والأدوات التي تقلل الاستهلاك دون أن تؤثر في جودة الحياة.

وهنا تتجلى قاعدة مهمة جداً وهي أن نتجاوز مفهوم ترشيد الاستهلاك إلى مفهوم إدارة الاستخدام .. أي أن نسأل أنفسنا قبل كل استخدام: هل نحتاج هذه الكمية فعلاً؟؟ وهل يمكن تحقيق الغرض نفسه بكمية أقل؟ فالسلوك الفردي مهم جداً خاصة عندما يتحول إلى عادة لدى الأسرة والمجتمع .. ثم يصبح سلوكاً وطنياً واقتصادياً وبيئياً أكبر مما نتصور.

فالمحافظة على الماء ليست حرماناً من النعمة وإنما هي أيضاً توجيهات نبوية.. ويجب أن نعي بأن الماء الذي نوفره اليوم قد يكون جزءاً من الأمن المائي الذي نحتاج إليه مستقبلاً ولذلك فإن ترشيد المياه يجب ألا يكون مبادرة بحملة مؤقتة بل يجب أن تكون ثقافة بيئية مستدامة تبدأ من المنزل والمدرسة ومكان العمل وتمتد إلى كل شؤون حياتنا اليومية.

وربما كان أكثر ما يستحق التوقف عنده أن الماء الذي هو حاضر في تفاصيل حياتنا أحياناً ننسى قيمته.. نشربه دون أن نفكر في رحلته البيئية ونستخدمه دون أن نتأمل في خصائصه، ونراه في المطر والبحر والأنهار دون أن نسأل كيف أصبح هذا المركب البسيط أساساً للحياة بهذا التنوع والتعقيد.
لقد جعل الله الماء رزقاً ورحمة وجعل وجوده مرتبطاً بالحياة، وغيابه مرتبطاً بالمشقة والحاجة. ومن هنا فإن المحافظة عليه ليست مسؤولية بيئية واقتصادية فحسب، بل هي أيضاً تعبير عن إدراك قيمة نعمة لا يمكن الاستغناء عنها.

ومن أوجه الإعجاز في خلق الماء الذي يتكون من عنصرين فقط والذي يشكل نسبة كبيرة من جسم الإنسان ويغطي أكثر من ثلثي سطح الأرض، فإن السؤال الذي يدعو للتأمل والتفكير لا يتوقف عند تركيب H₂O، بل يمتد إلى ما هو أبعد وهو كيف اجتمعت في هذا المركب خصائص جعلته بقدرة الله أساساً للحياة على هذا النحو؟

إنها أسئلة لا تحتاج إلى إجابات بليغة بقدر ما تحتاج إلى لحظة تأمل صادقة.. فربما كانت قطرة الماء التي نمر بها كل يوم دون اهتمام كافية لأن تذكرنا بحقيقة واضحة: أن في أبسط الأشياء حولنا هي آيات تستحق أن نتوقف عندها..وسبحان ربدالعزة والجلالة القائل:
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى