إعلان مدفوع

إعلان
اعلانك يحقق اهدافك لاتتردد
مقالات و رأي

ما نحتاجه… ولا نفصح عنه

الكاتبة / أمل بازيد
كاتبة صحفية إعلامية لايف كوتش
نلتقي أشخاصًا تبدو عليهم الطمأنينة والسعادة والقوة، فنظن أن الحياة أنعمت عليهم بكل ما يحتاجون. نراهم يفيضون عطاءً على من حولهم، فلا يخطر لنا أنهم قد يفتقدون الاحتواء، أو يتمنون من يرفق بهم ويمدّ إليهم يدًا حانية.

وحين صادفت موقفًا أعاد إليّ هذا المعنى، خطرت ببالي أبيات الشاعر محمد إبراهيم يعقوب:

«نحتاجُ من يحنو على أرواحنا
ما كلُّ روحٍ عن أساها تُفصحُ
رفقًا بنا يا وقتُ.. إن لم تنتبهْ
لم يبقَ شيءٌ في الحنايا يُجرحُ!»

هناك من يحضر كلما احتاج إليه أحد؛ يسمع، ويطمئن، ويجد دائمًا ما يقوله لغيره. يعرف كيف يخفف عن الناس، وكيف يفسح لهم مكانًا آمنًا للكلام. ومع الوقت يعتاد من حوله هذا الحضور، فيغيب السؤال عنه: إلى من يلجأ حين يتعب؟ ومن ينتبه إلى صمته بعدما اعتاد أن يسمع منه كلمات المواساة؟

قد لا يكون صمته رغبة في إخفاء ما يشعر به. ربما خشي أن يثقل على من يحب، أو بدأ الحديث مرة فلم يجد من يصغي إليه، أو اعتاد أن يتدبّر أمره وحده حتى صار طلب السند أصعب عليه من احتمال التعب. وهكذا تمضي الأيام، ويكبر الفارق بين الصورة التي يراها الناس وبين ما يعيشه في داخله.

وثمّة احتياجات لا يسهل البوح بها. نتمنى أحيانًا سؤالًا صادقًا يأتي من تلقاء نفسه، أو انتباهًا يلتقط ما تغيّر فينا، أو قربًا يجعلنا نشعر بأن لنا مكانًا في قلب أحد. نستطيع أن نطلب ذلك، لكن للمبادرة أثرًا آخر؛ فهي تقول، دون شرح، إن وجودنا مهم، وإن أحدًا لاحظ غيابنا حتى ونحن بين الحاضرين.

وليس ما نفتقده دائمًا فعلًا كبيرًا. قد تكون رسالة تأتي في يوم ثقيل، أو شخصًا يتذكر ما قلناه على عجل، أو من يمنحنا وقتًا للكلام دون أن يسارع إلى تقديم الحلول. تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها تصل إلى موضع لا تبلغه العبارات المنمّقة.

ولا يعني هذا أن نحمّل الآخرين مسؤولية فهم ما لم نقله. فمن النضج أن نتكلم حين نحتاج، وأن نمنح من نحب فرصة لمعرفة ما يثقلنا. ليس التعبير عن الاحتياج ضعفًا، كما أن القوة لا تقتضي أن نواجه كل شيء وحدنا. ومع ذلك، لا يلغي وضوحنا مع الآخرين قيمة اللفتة التي تأتي بلا طلب، ولا يجعل الاكتفاء بالنفس بديلًا عن دفء العلاقة.

وربما لهذا نفتقد أشخاصًا شعرنا، في حضرتهم، أننا نستطيع أن نكون أنفسنا؛ لا نرتّب كلماتنا بحذر، ولا نخفي تعبنا خلف ملامح مطمئنة. نجد معهم مساحة نستريح فيها من مشقة التماسك، ولو قليلًا. وحين يبتعدون، قد نفتقد أيضًا تلك النسخة منا التي كانت أقل حذرًا وأكثر قدرة على البوح.

لا نعرف ما يحمله كل إنسان في داخله، ولا كم مرة قال «أنا بخير» لأنه لم يجد الكلمات التي يشرح بها ما يشعر. لذلك قد يبدأ الرفق بسؤال نطرحه بصدق، أو وقت نصغي فيه، أو انتباه يمنح أحدهم شجاعة أن يقول ما ظل طويلًا عاجزًا عن قوله.

همسة أمل

لا تفترضوا أن من يعتني بالجميع لا يحتاج إلى من يعتني به. اقتربوا برفق؛ فقد يكون كل ما يتمناه أن يجد، ولو لمرة، مكانًا لا يُطلب منه فيه أن يكون قويًا.

فبعض الأرواح لا تطلب الحنان… لكنها تزهر حين تجده.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى