555

إعلان مدفوع

إعلان
مقالات و رأي

حين يصبح الاسم إنجازا والتفاهة مجداً

اعلانك يحقق اهدافك لاتتردد

إعلان مدفوع

إعلان

إعلان مدفوع

إعلان

الباحث / عدنان العمري

حين يتوارى الحكماء عن المشهد، تتسع الساحات للجهلاء، وتصبح للتفاهة منابر، وللفراغ أسماء، وللمواقف الهزيلة أبطال يتصدرون المجالس والمناسبات، حتى يخيل للمتابع أن المجتمع قد أصابه خلل في موازين التقدير، فلم يعد يميز بين صاحب الفضل وصانع الضجيج، ولا بين من يصنع المجد ومن يتسول بقاياه.
تراهم في كل مناسبة، مرة في حفل زواج، وأخرى في مجلس تكريم، وثالثة في مشهد استعراضي يتسولون فيه الوجاهة بقصيدة مستهلكة أو كلمات ممجوجة، يستحضرون بها نصرًا غابرًا في زمن أغبر، وكأن التاريخ قد توقف عند واقعة قديمة، أو أن أمجاد الأسلاف صكوك ملكية يتوارثها العاجزون عن صناعة أمجادهم.
والأعجب أن بعض هؤلاء لم يكتفِ باستدعاء الماضي والاتكاء على أمجاده، بل أصبح يصنع من الأحداث العابرة قضايا كبرى، ومن المواقف العادية مناسبات للاحتفاء، حتى غدت التفاهة عندهم إنجازًا، والظهور غاية، والتصفيق شهادة استحقاق.
وليس أشد بؤسًا من إنسان لا يملك من أسباب المكانة سوى اسمه أو نسبه، ولا من أدوات الحضور سوى صوته، ولا من رصيد المجد سوى ما تركه السابقون، فالعقول الكبيرة تصنع قيمتها بأفعالها، أما العقول الفارغة فتبحث عن قيمتها في الأسماء والعناوين والمظاهر.
إن الانتماء للجماعة شرف تصونه الأخلاق وترفعه المواقف النبيلة، وليس تفويضًا مفتوحًا لكل من أراد أن يتحدث باسمها أو يحوّل اسمها إلى وسيلة للظهور. والجماعة لا يمثلها كل من رفع رايتها، ولا تختزل مكانتها في تصرفات أفراد يتوهمون أنهم أوصياء على تاريخها ومجدها.
ومن غرائب هذا الزمن أن تتحول تسمية مولود إلى حدث يستدعي الوفود والهدايا والقصائد، وكأن اسمًا أُطلق على طفل قد أضاف إلى التاريخ فتحًا جديدًا، أو أعاد مجدًا ضائعًا، أو حقق للأمة نصرًا منتظرًا! ومنذ متى كانت الأسماء، سواء حملت معنى الحرب أو السلم، والنصر أو الهزيمة، إنجازًا يستحق الاحتفاء خارج نطاق أصحابه؟
إن قيمة الإنسان ليست فيما يُسمّى به، وإنما فيما يصنعه، وليست في انتسابه إلى تاريخ عظيم، بل في قدرته على أن يضيف إلى ذلك التاريخ صفحة تستحق أن تُقرأ.
والمؤسف أن هذه المشاهد لا تكشف عن سطحية أصحابها فحسب، بل تكشف أيضًا عن اختلال في معايير المكانة الاجتماعية، حين يُفسح المجال لمن لا يحمل فكرًا ولا مشروعًا ولا أثرًا، بينما يتوارى أصحاب العقول والتجارب والإنجازات خلف ضجيج لا يترك في الذاكرة سوى الأسف.
ولعل أخطر ما في التفاهة ليس وجودها، فهي موجودة في كل زمان، وإنما أن تتحول إلى قيمة اجتماعية، وأن يجد أصحابها من يمنحهم المكانة والتقدير، حتى يصبح الصمت حكمة عند العقلاء، والضجيج بطولة عند الجهلاء.
فالأمم لا ترتقي بكثرة من يتحدثون عن أمجاد أسلافهم، وإنما بمن يصنعون أمجادًا تستحق أن يتحدث عنها أحفادهم. وما أسهل أن يرث الإنسان اسمًا عظيمًا، وما أصعب أن يكون جديرًا بحمله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى