قراءة نابضة لقصيدة شاعر الأمة محمدثابت”طه حبيبي”

بقلم : عيادة جابر
إذا كان الشاعر المخضرم أبو وليد حسان ابن ثابت ابن المنذر الخزرجي الأنصاري الصحابي من مؤسسي قصيدة مدح الرسول أو ما يعرف بالمدائح النبوية حتى أنه سمي بشاعر النبي عليه الصلاة والسلام فان شاعر الأمة محمد ثابت نجده اليوم يسير على خطاه. فهذا الشاعر المصري المبدع الذي عرفناه في قصائد أخرى ثائرا حائرا حينا محبا ودودا حينا اخر نجده في قصيدته المدحية هذه “طه حبيبي” أقرب إلى التصوف في تعبيره عن المحبة منه إلى التعبير العاطفي الوجداني المجرد.
وقد تجلى لنا ذلك من خلال تحول المدح في قصيدته إلى طوق جميل من المناجاة مرصع بتركيب النداء المتكرر على غرار “يا سيد الأكوان”، “يا طوق النجا”، “يا خير من جاء الوجود”, “يا من جمعت الأنبياء”… كما وشا باستعمال معجم لغوي يعبر عن المحبة والعشق والتعلق الروحي وما يصاحبه أحيانا من استشفاع معمق لهذه النفحة الصوفية تجلى في قوله “تضرعت القلوب تشوقا”، “تهيم روحي”, “ينمو هيامي” “حبك خالد” “صرح من العشق”, فاشفع لقلب هائم”…
لكن هذا البعد الوجداني العميق وهذه العاطفة الدينية الصادقة وهذا التعلق الروحي بخير الخلق نراه يمتزج ويتكثف ويتداخل
مع البعد العقدي المتمثل في تعظيم مقام النبي وإبراز شمائله واستحضار معجزاته فهو كما صوره الشاعر “سيد الأكوان، وهو المصطفى، وهو النور، وهو الهادي، وهو طوق النجا، وهو النجم، وهو الرحمة والشفاعة، وهو الذي صلى بالأنبياء في حادثة الإسراء والمعراج “..
إن هذا الوصف إذن يتجاوز المدح بكونه تقريظا بشريا إلى رسم نموذج للنبي محمد عليه الصلاة والسلام يجمع بين الكمال الخلقي والروحي.
وهذه الصورة في تقديرنا لن تكتمل إلا اذا توشحت بكساء فني بديع ونمقت بلغة جزلية وصور بلاغية وتناص مع القران والسيرة. فالتشبيه والكناية والاستعارة كلها حاضرة بامتياز في هذه القصيدة فقد استعملها الشاعر بحرفية وبراعة لتصوير نور النبي وبهائه من خلال قوله “أنت نجم بين الكواكب”،”أنرت بوجهك الأفلاكا”, “المدينة أشرقت ببهاك”، الشمس تسرق من ضياك”.. وكذلك من خلال اقتباس ألفاظ وإشارات قرآنية من قبيل” طه، صلى الله عليه وسلم ، ما أنت إلا رحمة وشفاعة، جمعت الأنبياء، كنت الإمام، بيوم بدر، نصر الله”…
ومن ثم امتزجت هذه العاطفة الدينية الصادقة في هذه القصيدة المدحية بالفن البلاغي الرفيع لتجمع بين السيرة والعقيدة والجمال الشعري في تناغم وبهاء زاده ألقا براعة الشاعر في تطويع بحر الرجز لهذا النوع من الأغراض الشعرية ذات الخصوصية داخل النسق الأدبي العربي الاسلامي.
فالمعروف عن هذا البحر إنه من أقدم البحور وأكثرها ارتباطا بالبدايات الشفوية للشعر العربي لذا فان اختيار الشاعر له في هذه القصيدة المدحية من شأنه أن يشعر المتلقي بأن المدح تابع من شعور جماعي وانسجام ضارب في القدم لا من صناعة فنية متكلفة فيتسلل إلى وجدانه تسلل عطر شذي منعش.
كما أن تكرار تفعيلة الرجز “مستفعلن” أكسب القصيدة بعدا إيقاعا ودلاليا مميزا إذ وفر إيقاعا متسارعا نابضا يعكس حرارة الانفعال العاطفي وصدق المحبة ويمنح الخطاب طابعا حركيا أقرب إلى التدفق الوجداني منه إلى التأمل المديد.
وهكذا فإن الشاعر بعبقريته الشعرية وبراعته الفنية في توظيف المبنى خدمة للمعنى أنتج خطابا مدحيا وجدانيا تعبديا يرتقي إلى مرحلة الصوفية بأسلوب خفيف وبحر شفيف جمع بين البساطة التعبيرية وسلاسة الإيقاع الذي يتغلغل بيسر في وجدان المتلقي وعقله وذهنه فيستلهم من خصال النبي ما به يقوم ذاته وينقي نفسه ويطهرها مما شابها من أدران فيقوى بذلك إيمانه ويسعد في الدارين. فطوبى للشاعر لما سيناله من دعاء خيرا وإعجابا بهذه القصيدة المدحية للرسول الكريم.
أبيات من قصيدة
طه حبيبي ٠ قصيدة لشاعر الأمة محمد ثابت
————-
نَفْسِي وَرُوحِي وَالْفُؤَادُ فِدَاكَا
لَوْلَاكَ مَا كَانَ الْوَرَى لَوْلَاكَا
يَاسَيِّدَ الْأكْوَانِ أنْتَ الْمُصْطَفى
وَلَقَدْ أَنَرْتَ بِوَجْهِكَ الْأَفْلاكا
لَنْ أَسْتَكِينَ عَنِ الْمَدِيحِ لِسَيِّدِي
وَالْخَيْرُ كُلُّ الْخَيرِ في يُمْنَاكا
طَه الَّذِي رُحِمَ الْعِبَادُ بِفَضْلِهِ
وَبِخَيْرِهِ سُبْحَانَ مَنْ أَعْطَاكا
لَمَّا حَلَلْتَ بِبَطْنِ مَكَةَ هَادِيًا
كُلُّ الْبَرَايَا آثَرُوا مَأْوَاكا
وَتَضَرَّعَتْ كُلُّ الْقُلُوبِ تَشَوُّقًا
فَإِذَا الْمَدِينَةُ أشْرَقَتْ بِبَهَاكا
وَتَهِيْمُ رُوْحِي فِيْكَ يَا طَوْقَ الْنَجَا
وَأَلُومُ نَفْسِي إِنْ رَأَيْتُ سِوَاكا
تَحْلُو صَلَاتِي حِيْنَ أَشْهَدُ أَنَّ لَا
مَعْبُودَ غَيْرُ اللهِ قَدْ وَلَّاكا
أسْتَلْهِمُ النَّورَ الَّذِي بِهِ أَنْتَشِي
وَالشَّمْسُ تُشِرِقُ مِنْ ضِيَاءِ ضِيَاك
حَاشَاكَ يَا مَوْلَاي تَرْفُضُ مَادِحًا



