أوراق للطفولة: بكاء الأطفال لغة لا تُقال بالكلمات

ليلى سعد القحطاني ✍🏻🦋
في صباح عيد الفطر، حين امتلأ المنزل بأصوات التهاني وضحكات الأطفال، بدا المشهد مكتملًا كما ينبغي للعيد أن يكون. أطفال يتنقلون بين الألعاب والعيديات، وكبار يتبادلون الأحاديث ويحيطون الصغار بالتشجيع والاهتمام. كان كل شيء يوحي بالفرح… حتى ارتفع فجأة صوت بكاء طفل.
لم يكن واضحًا ما الذي حدث. التفتت الأنظار نحوه للحظات، ثم عاد الجميع إلى ما كانوا عليه، كأن الأمر لا يتجاوز كونه انفعالًا عابرًا. لكن ذلك البكاء لم يكن عاديًا كما بدا، بل كان بداية لمشاهد تكررت خلال اللقاء، وكأن الأطفال، كلٌ بطريقته، كانوا يحاولون قول شيءٍ لا تسعفه الكلمات.
منذ ولادته، لا يمتلك الطفل لغة سوى البكاء. إنها وسيلته الأولى ليقول: أنا جائع، أنا متعب، أنا خائف، أو حتى: أحتاجك. ومع نموه، تتوسع حصيلته اللغوية، لكن مشاعره غالبًا ما تنمو بوتيرة أسرع من قدرته على التعبير عنها. لذلك، لا يختفي البكاء، بل يتغير دوره ،، من وسيلة أساسية إلى ملاذ حين تعجز الكلمات.
بعد الانتهاء من وليمة غداء العيد ، جلس طفل على طرف المكان، عيناه ممتلئتان بالدموع. اقتربت والدته وسألته عمّا به، لكنه لم يُجب. نظر إليها بصمت، ثم عاد للبكاء. لم يكن يرفض الكلام، بل بدا وكأنه لا يملك الكلمات أصلًا. وحين قالت له بهدوء: “يبدو أنك منزعج… هل شعرت بالضيق؟”، رفع عينيه نحوها، وكأنها لامست شيئًا داخله. في تلك اللحظة، لم تكن تهدّئه فقط، بل كانت تساعده على تسمية ما يشعر به.
وفي زاوية أخرى، كان طفل يمسك بلعبته المكسورة، يبكي بصوتٍ أعلى هذه المرة. سألته والدته عمّا حدث، فاكتفى بالبكاء. لم يكن عاجزًا عن الشرح، بل مترددًا، كأنه يخشى ردة الفعل. اقتربت منه وقالت: “أخبرني، لن أغضب… سنحلها معًا.” توقّف قليلًا، ثم بدأ يتكلم. ببطء، لكن بثقةٍ بدأت تتشكل.
في مثل هذه اللحظات، لحظات شعور الأمان يتعلّم الطفل ان يفتح باب الكلام و أن التعبير عمّا حدث أفضل من البكاء .
غير بعيدٍ عنهما، كان طفل يشدّ يد والدته مرارًا، محاولًا أن يلفت انتباهها وسط انشغالها بالحديث. لم تلتفت إليه. أعاد المحاولة، ثم انسحب. بعد دقائق، عاد باكيًا فحصل فورًا على الاهتمام.
مشهد بسيط، لكنه يترك أثرًا عميقًا ؛ يتعلّم من خلاله الطفل بسرعة أي الطرق توصله أسرع لما يريد وأيها لا .
ومع اقتراب نهاية اللقاء، جلس طفل وحده في زاوية هادئة، قبل أن يبدأ بالبكاء دون سبب واضح. لم تكن هناك حادثة مباشرة، لكن شيئًا ما كان يثقل داخله: ربما غيرة، أو إحساس خفي بعدم الكفاية. اقتربت والدته هذه المرة دون أسئلة، جلست بجانبه، وضمته ثم قالت: “أنا هنا .” لم تُفسّر ولم تُحقق، بل احتوت. وبعد لحظات، بدأ بكاؤه يهدأ.
أحيانًا، لا يحتاج الطفل إلى إجابة، بقدر ما يحتاج إلى من يبقى معه.
ومع تكرار تلك المشاهد في يومٍ واحد، بدا وكأن البكاء لم يكن طارئًا، بل لغة تتشكل بهدوء داخل كل طفل. تختلف المواقف، لكن ما وراءها يتشابه: عجزٌ عن التعبير، أو خوفٌ من ردة الفعل، أو حاجةٌ للانتباه، أو مشاعر متداخلة لم تتضح ملامحها بعد. وفي المقابل، لا تكون الاستجابة في إسكات البكاء بقدر ما تكون في الإصغاء إليه؛ في أن نساعد الطفل على تسمية ما يشعر به، وأن نطمئنه، ونمنحه المساحة الآمنة ليقول ما لم يستطع قوله. هناك، في تلك اللحظات البسيطة، لا يتوقف البكاء فقط… بل يبدأ الصوت بالتكوّن .



