منوعات
أحد أدلة كروية الأرض شمس منتصف الليل في المناطق القطبية

إعداد: م. ماجد أبو زاهرة
تعد شمس منتصف الليل ظاهرة فلكية طبيعية تحدث خلال أشهر الصيف في المناطق الواقعة شمال الدائرة القطبية الشمالية أو جنوب الدائرة القطبية الجنوبية حيث تبقى الشمس ظاهرة فوق الأفق عند منتصف الليل المحلي نتيجة ميل محور دوران الأرض.
وخلال الصيف الاسكندنافي الطويل لا تغرب الشمس لفترة من الزمن في المناطق الواقعة شمال الدائرة القطبية الشمالية وتزداد مدة الإشراق المستمر كلما اقتربنا من القطبين. أما عند القطب الشمالي نفسه فتبقى الشمس فوق الأفق بشكل متواصل ابتداء من الاعتدال الربيعي في شهر مارس حتى الاعتدال الخريفي في شهر سبتمبر. وتختلف مدة شمس منتصف الليل من منطقة إلى أخرى فالسكان في مدينة ترومسو شمال النرويج يعيشون هذه الظاهرة لنحو شهرين تقريبًا كل عام عادة من حوالي 20 مايو إلى 22 يوليو بينما تشهد منطقة رأس الشمال في أقصى شمال النرويج تقريباً فترة أطول تمتد تقريباً من 14 مايو إلى 29 يوليو.
اما بعض المناطق الواقعة قرب الدائرة القطبية الشمالية قد لا تظهر الشمس فوق الأفق عند منتصف الليل بشكل كامل إلا أن الشفق يبقى مستمراً طوال الليل فيما يعرف أحياناً باسم “ضوء منتصف الليل”. فعلى سبيل المثال تقع مدينة تروندهايم النرويجية على مسافة عدة مئات من الكيلومترات جنوب الدائرة القطبية الشمالية ومع ذلك يبقى الضوء خلال أسابيع قريبة من الانقلاب الصيفي كافيًا للقراءة في الخارج عند منتصف الليل في مشهد يشبه ضوء الفجر المبكر قبل شروق الشمس.
ومن المعروف أن الأرض تكمل دورة كاملة حول محورها كل 24 ساعة وهو ما يسبب تعاقب الليل والنهار ولو كان محور دوران الأرض عمودياً تماماً على مستوى مدارها حول الشمس لحصلت جميع مناطق الأرض تقريباً على 12 ساعة من النهار و12 ساعة من الليل طوال العام غير أن محور الأرض مائل بنحو 23.5 درجة ولذلك لا تغرب الشمس خلال فترة من الصيف في المناطق الواقعة شمال الدائرة القطبية الشمالية بينما يحدث العكس خلال الشتاء حيث تغيب الشمس لفترات طويلة فيما يعرف بالليل القطبي. وينطبق الأمر ذاته بصورة معاكسة في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية لذلك فإن ميل محور الأرض هو السبب الرئيس في تعاقب الفصول وحدوث ظاهرتي شمس منتصف الليل والليل القطبي وبسبب الانكسار الجوي والحجم الظاهري لقرص الشمس يمكن رؤية الشمس حتى عندما تكون هندسياً أسفل الأفق بقليل وهو ما يساهم في إطالة مدة ظهورها قرب القطبين.
وتعتبر ظاهرة شمس منتصف الليل أيضاً من الأدلة المهمة على كروية الأرض وميل محور دورانها إذ إن استمرار ظهور الشمس فوق الأفق عند خطوط العرض القطبية لا يمكن تفسيره هندسياً إلا على أرض كروية مائلة المحور. فمع ميل القطب نحو الشمس خلال فصل الصيف تبقى المناطق القطبية ضمن نطاق الإضاءة الشمسية لفترات طويلة بينما يحدث العكس خلال الشتاء عندما تميل بعيداً عنها. كما تتوافق هذه الظاهرة مع مشاهدات فلكية أخرى مرتبطة بكروية الأرض مثل اختلاف طول النهار باختلاف خطوط العرض وتغير مواقع النجوم واختلاف أوقات الشروق والغروب بين المناطق المختلفة من العالم.
وتظهر هذه الظاهرة ايضاً صعوبة تفسير الحركة الظاهرية للشمس ضمن نموذج الأرض المسطحة بصورة تتوافق مع جميع المشاهدات الفعلية إذ لا يفسر هذا النموذج بشكل دقيق استمرار ظهور الشمس فوق الأفق لأسابيع أو أشهر متواصلة في المناطق القطبية بالتزامن مع اختلاف طول النهار والليل بين خطوط العرض المختلفة وحدوث الفصول المتعاكسة بين نصفي الكرة الأرضية. في المقابل يفسر نموذج الأرض الكروية المائلة المحور هذه الظواهر بصورة هندسية وفلكية متسقة مع الرصد المباشر والقياسات العلمية الحديثة.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على النرويج فقط إذ يمكن مشاهدتها في جميع المناطق الواقعة شمال الدائرة القطبية الشمالية. فعلى سبيل المثال يقع نحو ربع مساحة فنلندا داخل الدائرة القطبية الشمالية وفي أقصى شمال البلاد لا تغرب الشمس لنحو 60 يوماً خلال الصيف. وفي أرخبيل سفالبارد النرويجي أحد أكثر المناطق المأهولة بالسكان شمالًا في أوروبا تبقى الشمس فوق الأفق تقريبًا من 19 أبريل حتى 23 أغسطس.
كما تشاهد شمس منتصف الليل أيضاً في الأجزاء الشمالية من السويد وألاسكا وكندا إضافة إلى مناطق من أيسلندا وغرينلاند وروسيا.



