عروض الصيف: شهادة… والثانية مجانًا

عمرو عادل بسيوني http://@aabasuony
بعد الجدل الكبير في مواقع التواصل حول بعض المشاهير الذين حصلوا على “دكتوراه” من جهات غير معروفة، عاد السؤال من جديد: هل أصبحت الشهادات العلمية إنجازًا حقيقيًا أم مجرد لقب للوجاهة الاجتماعية؟ الحقيقة أن من عاش طريق الدراسات العليا يعرف جيدًا أن الموضوع أكبر بكثير من صورة روب أكاديمي أو كلمة “دكتور” تسبق الاسم. أتذكر أيامًا كنت أجلس فيها أكثر من تسع ساعات داخل المكتبة فقط لأبحث عن عنوان مناسب أو أجمع دراسات سابقة أستطيع البناء عليها. غير الغربة والسكن والمواصلات وضغط الحياة، خصوصًا عندما تكون خارج مدينتك. أحيانًا كنت أشعر أن الدراسات العليا ليست دراسة فقط، بل اختبار صبر طويل لا ينجح فيه إلا من يحب العلم فعلًا.
ولهذا يصبح الموضوع مستفزًا عندما ترى بعض الناس يتعاملون مع لقب “دكتور” وكأنه إنجاز اجتماعي أكثر من كونه علميًا. شخص حصل على “دكتوراه فخرية” من جهة لو ذهبت
إلى مقرها قد تجدها شقة في عمارة سكنية، ثم يغضب إذا ناداه أحد باسمه دون لقب. وبعضهم يكرر كلمة “دكتور” في كل مناسبة وكأنها جهاز دعم نفسي. والمضحك أن أغلب هؤلاء لم يعيشوا أصلًا تعب البحث ولا ضغط التعديلات ولا السهر الذي يعيشه أي باحث حقيقي.
وهذا يذكرني بالمكالمة التي أجراها الإعلامي السعودي خالد العقيلي عام 2018 مع أحد الأشخاص الذين يبيعون الشهادات الوهمية. الصدمة لم تكن في وجود التزوير، بل في سهولة الموضوع. اختر التخصص، وحدد الدرجة العلمية، وادفع المبلغ، والباقي جاهز. وكأنك تطلب شيئًا من تطبيق توصيل، لا شهادة تحتاج سنوات من التعب والدراسة. وهذا للأسف جعل بعض المشاهير يتعاملون مع الدكتوراه كمشروع لتحسين الصورة فقط، فتجد احتفالًا ضخمًا بصورة روب أكاديمي أكثر من الاحتفال بالعلم نفسه، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى منح أحد أفراد العائلة شهادة أخرى وكأن الموضوع عرض: “دكتوراة… والثانية مجانًا”.
وفي النهاية، لا أحد يقلل من قيمة من تعب وسهر وضحّى من أجل علمه، فهؤلاء يستحقون كل احترام. لكن المؤلم فعلًا أن يُوضع الباحث الحقيقي في نفس المكان مع شخص يحمل “دكتوراه مجانية” لا يستطيع شرح أبسط شيء في تخصصه.
ولهذا يجب أن يكون هناك وعي أكبر بالشهادات المعتمدة، لأن قيمة الإنسان ليست في كلمة “دكتور” قبل اسمه، بل في العلم الحقيقي الذي يحمله فعلا.



