هل قرأت إيران الفاتحة على نتنياهو؟!

بقلم/ هيثم عبدالحميد
لطالما ارتبط اسم جهاز “الموساد” بعمليات نوعية دقيقة تستهدف خصوماً تعتبرهم إسرائيل تهديداً وجودياً مباشراً، وهي سياسة ممتدة لعقود وشملت ساحات متعددة من دبي إلى طهران ودمشق وغزة. غير أن هذا النمط ظل محكوماً بخط أحمر واضح: الاستهداف موجّه للأعداء، لا للحلفاء، ولا لقادة الدول الصديقة. لكن ماذا لو بدأ هذا الخط الأحمر بالتآكل تحت ضغط لحظة سياسية غير مسبوقة؟
دونالد ترامب، الذي صُوّر طويلاً في الخطاب الإسرائيلي الرسمي كـ”أعظم صديق” لإسرائيل، يقف اليوم في موقع مغاير تماماً. فالرجل الذي كان يُحتفى به في تل أبيب، بات – وفق تسريبات ومواقف إعلامية – يتحدث بلهجة قاسية وغير معهودة تجاه بنيامين نتنياهو.
في كواليس المشهد، تتردد عبارات حادة نُسبت لترامب، يصف فيها نتنياهو بأنه “متهور” و”يدفع المنطقة إلى حافة الهاوية”، بل وتذهب بعض التوصيفات إلى اعتباره “عبئاً” على الاستراتيجية الأمريكية، وزعيماً “فقد السيطرة” على حساباته. هذه اللغة، حتى لو لم تُؤكد رسمياً، تعكس مستوى غير مسبوق من التوتر بين الحليفين.
مع تطورات حرب 2026 ومذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية، لم يعد الخلاف مجرد تباين في التكتيك، بل تحول إلى صدام بين مشروعين؟ ترامب يريد إغلاق الملفات الساخنة بسرعة، وفتح مسارات اقتصادية وأمنية جديدة، بينما ترى إسرائيل أن هذه المقاربة تمنح خصومها فرصة لإعادة بناء قوتهم.
التقارير عن تحذيرات أمريكية لإيران من عمليات إسرائيلية محتملة، واغتيالات عمّقت الشعور داخل اليمين الإسرائيلي بأن واشنطن لم تعد شريكاً يمكن الاعتماد عليه. بل إن بعض الأصوات بدأت تتحدث صراحة عن “خذلان” و”ابتزاز سياسي” مغطى بلغة الدبلوماسية.
وفي الخلفية، يزداد المشهد تعقيداً مع عودة الحديث عن ملفات جيفري إبستين، وإمكانية استخدامها كورقة ضغط. هنا، لا يعود الصراع مجرد خلاف سياسات، بل يتحول إلى معركة نفوذ تتداخل فيها السياسة بالاغتيال الشخصي.
أما نتنياهو، فيبدو – وفق هذا التصور – محاصراً بين ضغط خارجي غير مسبوق وتحديات داخلية متصاعدة. رجل اعتاد استغلال علاقته بواشنطن كرافعة قوة، يجد نفسه الآن في مواجهة رئيس أمريكي لا يتردد في توجيه الإهانات السياسية، والتلويح بالتخلي، بل والإيحاء بأن زمنه قد ينتهي إذا استمر في تحدي الإرادة الأمريكية.
بعض التقديرات تذهب أبعد من ذلك، معتبرة أن ترامب لم يعد يرى في نتنياهو شريكاً، بل عقبة يجب تجاوزها، مهما كان الثمن السياسي.
الولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى إسرائيل كحليف استثنائي معفى من نهج ‘أمريكا أولاً’ في السياسة الخارجية.”، كما تتزايد الانتقادات العلنية للدعم “غير المشروط” لإسرائيل، داخل الحزب الحاكم معتبرين أنه يتعارض مع “أمريكا أولاً” ويُحمّل أمريكا تكاليف حروب أو ضغوط إسرائيلية. كارلسون وآخرون تحدثوا عن “انحناء أمريكا أمام إرادة إسرائيل” بدلاً من وضع مصالحها أولاً.
سبق أن قام الرئيس أيزنهاور (1956) بالضغط بشدة على إسرائيل وبريطانيا وفرنسا خلال أزمة السويس، مهدداً بعقوبات اقتصادية، لأن العملية العسكرية كانت تتعارض مع المصالح الأمريكية الاستراتيجية في المنطقة.
هذا التحول يطرح سؤالاً خطيراً: إذا كان الخطاب قد وصل إلى هذا المستوى من القسوة، فإلى أي مدى يمكن أن تتدهور العلاقة؟ وهل يمكن أن تتحول الإهانات السياسية والضغوط المتبادلة إلى قرارات أكثر حدة على الأرض؟
في لحظات تاريخية كهذه، السؤال: هل تفعلها إسرائيل أم أميركا؟



