ترانيم الشموخ والتراب.. مرثية نثريّة لجدتي

نوال العمودي-كاتبة سعودية
في غيابكِ يا جدتي..
سقطتْ دمعةٌ من عينِ السماء،
وانحنتْ هامةُ الأرضِ تبكيكِ،
بينما الأشياءُ في غرفتكِ القديمةِ تئنُّ وتحنّ.
كنتِ قبضةً من طهرِ هذا التراب، وسنبلةً نبتتْ من الشريانِ الحيّ للوطن..
تعشقينَ رملَهُ، وتغزلينَ أمنَهُ دعاءً طاهراً مع كلِّ فجر.
لم تكوني عابرةً في مدارِ الأيام، بل كنتِ المدى، والطيبةَ التي تتسعُ لأحزانِ العالمِ بأسره، تفوحُ من أطرافِ ثوبكِ رائحةُ المسكِ والعنبر، كأنكِ تعبرينَ الأيامَ بنفحاتِ الجنةِ وندى العُمر.
غبتِ..
لكنّ صدى خطاكِ ما زالَ ينبضُ في تفاصيلِ مكانٍ عصيّ على النسيان:
في الجدرانِ التي تشربتْ عبقَ الطينِ الأصيل، في دفءِ الشراشفِ التي ما زالت تعانقُ الرُّوح، في سيمفونيةِ أزرارِ تلفزيونكِ القديم، وفي رنينِ هاتفكِ الضاغطِ.. ذاك الذي كان يربطُنا ببهجةِ الحياة.
ما زالَ مِغشُّ اللحمِ يفورُ حنيناً، وينسكبُ الفراغُ بارداً في جوفِ الميفا الذي كان يملأ الدارَ دفئاً،
وما زالَ منديلكِ الطاهرُ المستقرُّ فوق الرأسِ، يُظللُ شعركِ الأبيضَ، ويباركُ أيامَنا الراحلة.
حين ترجلتِ عن صهوةِ الحياة.. لم يلبسِ البشرُ وحدهم ثوبَ الحداد، بل حتى شجرُ الدارِ انحنى باكياً،
هزّتْهُ لوعةُ الفراقِ، وهو الذي اعتادَ أن يستحمَّ بنظراتِ حنانكِ.
كلُّ ركنٍ في الدارِ يئنُّ..
يشتاقُ لتلكَ القامةِ الشامخةِ كالنخيل، التي أحبتْ وطنَها، وتشبثتْ بتفاصيلِهِ حتى النَّفَسِ الأخير.
غبتِ عن العيونِ يا جدتي..
ولكنَّ عبيركِ الطاهرَ استوطنَ فينا، عبيرٌ أزليٌّ.. لا يطولُهُ الموت.



