وجوهٌ من ورق.. وقلوبٌ من حجر: مرثية الذوق في زمن الآلية

نوال العمودي-كاتبة سعودية
تخطو خطواتك في زحام الأيام، فتخال نفسك في مدينةٍ عامرة، لكنك سرعان ما تتعثر بأشباح يرتدون ثياب الآدميين. تنظر في الوجوه, فلا تجد وجوهًا؛ بل ملامح ممسوحة، ملساء كقطع الحديد، وأجسادًا تنبض بآلية “الروبوتات” الصمّاء.
يدور في خلدك سؤال يقرع جدران الحيرة: هل تجمدت الدماء في عروق هؤلاء فباتوا من ذوي الدم البارد؟ أم أن الضمائر انتحرت على عتبات الأنانية، فمضوا في دروبنا بلا رادع من خلق أو حياء؟
يدخل المرء منا إلى صالون تجميل، يبتغي قسطًا من الاعتناء بالنفس وهدوءًا يرمم تعب الأسبوع. هناك، تلمح طيفًا من البشر؛ منهم أهل الذوق الساكن، والمتوسطون في اللباقة، لكن السكينة لا تدوم. فجأة، يفتك بالفضاء صخب مرذول، وأصوات كالمطارق الشائهة، ومناوشات حامية تكاد تصل حدّ التضارب بالأيدي. كل هذا الحطام النفسي لأجل دورٍ يتقدّم، أو مناداةٍ فجّة لعاملة بأسلوب يبرأ منه الكرم المروءة. يقف المرء مذهولاً: أين تاهت الأخلاق المنسوجة من وقار ديننا الحنيف؟ وأين توارى الذوق العام الذي جعل للمجالس حرمة وللتعامل لينًا؟
تنكفئ راجعًا، تقود سيارتك في شوارع المدينة، فتجد الطرقات ساحة حرب لا قانون لها سوى الغلبة للأفضل والأسرع، حيث تُمحى كرامة الإنسان خلف مقود الحديد.
وعند نافذة ابتياع القهوة، حيث يُفترض أن تبدأ صباحك بابتسامة ورشفة دافئة، تفاجأ بوجوه تزرع فيك نظراتٍ حادة، ممتدة، لا تدري أهي إعجاب عابث أم حسد دفين؟ نظرات فارغة تقترب من الكوميديا السوداء؛ يراقبون حركاتك وسكناتك وكأنك كتاب مفتوح في مهبّ فضولهم الأعمى بلا حشمة أو خجل.
تهرب بكل هذا الثقل إلى ملاذك الأخير، إلى شاطئ البحر. هناك، حيث ينبغي للروح أن تستكن، وتتهادى النفس مع ترانيم الموج وعزيف الرياح. لكن العبث يلاحقك بقسوة؛ موسيقى صاخبة تخدش وقار المدى، وفتيات يتلوين على إيقاعات غريبة عن الوقار، ولفافات السجائر تشتعل بين أصابعهن لتنفس نفثات الرماد في وجه الطهر والنقاء. غاب الجلال، وصار الشاطئ مسرحًا لابتذال الطمأنينة.
الأمر لا يقف عند حدود النزهة، بل يمتد ليمزق أستار الحرمات الشريفة. في العزاء، حيث تهتز القلوب لجلال الموت ويهمس الحزن في الأرواح، تجد أجسادًا متحركة تتبادل الهمسات الضاحكة، أو تقلب شاشات الهواتف ببلادة منقطعة النظير، كأن الموت أصبح مشهدًا عابرًا في شاشاتهم.
وفي ليلة الزفاف، حيث تُبنى الفرحة على المودة والوصال، تلتقي عيناك بعين من يعرفك حق المعرفة، فيرمقك “بنصف وجه”، وبنظرة شزراء باردة، يدّعي فيها النسيان ويمثل دور الغريب، ليرضي كبرياءً واهيًا يسكن جوفه الخاوي.
إنهم عابرو طرقات، بشر بلا وجوه، أضاعوا البوصلة فما عادوا يفرقون بين حزن وفرح، ولا بين سَكينة وصخب. رحلوا عن إنسانيتهم ليتحولوا إلى آلات صلدة تتحرك في زحامنا، مخلفين وراءهم غصة في قلب كل من يرجو في هذه الحياة أثرًا من ذوق، ونفحة من إيمان، ووجهًا صادقًا يبتسم بغير زيف.



