“جازان” حين تغدو الأصالة وطناً

“جازان” حين تغدو الأصالة وطناً
بقلم ✍️ أحمد القاري
جازان، تلك المنطقة الحالمة في جنوب المملكة العربية السعودية، لا تُزار مروراً، إنما تُعاش دهشةً، وتُحفظ في الذاكرة امتناناً.. مدينة دافئة في شتائها، عابقة بفلّها وياسمينها وكاديها، تفتح ذراعيها للقادم إليها كما لو كانت تعرفه منذ زمن.
هي منطقة تحتضن عدداً كبيراً من المحافظات، وكل محافظةٍ تقول لأختها: أنا هنا، تفاخراً وجمالاً؛ جمالُ حضارةٍ واضحة، ونظافةٍ لافتة، ونظامٍ يُحترم، وهدوءٍ وسكينةٍ تُطمئن الروح قبل البدن.
ولا يمكن الحديث عن جيزان دون الوقوف طويلاً عند أهلها؛ أولئك البسطاء الفضلاء، الكرماء بطبعهم، الذين لا يرون في الضيف عابراً بل قريباً. وجوههم تشي بسعادةٍ صادقة، وقلوبهم مفتوحة قبل بيوتهم، لا يترددون لحظة في الدعوة ولا يعرفون غير الإلحاح الجميل في الكرم. هؤلاء هم أهل جيزان.. وهكذا عرفتهم.
خلال إقامتي في هذه المدينة الحالمة، كانت المتعة مضاعفة؛ التقيتُ الأصدقاءَ والمحبين، وشركاء الأدب والحرف، وتنقلت بين محافظاتها، وتجولت في سهلها وبحرها وجبلها وواديها، واستنشقت عبير زهورها العاطرة، وصادفت من الأدباء والشعراء من زادوا الرحلة ثراءً، وحديثاً، وألفة.
ولا أنسى جمال الأجواء في شتاء هذا العام 2026 شهر يناير تحديداً؛ طقسٌ لطيف، ونسماتٌ عليلة، وزيارة موفقة إلى أبعد حد، خاصةً حين كانت برفقة أصدقاء طيبين، ازدادت بهم الرحلة جمالاً الغالي عبدالله الغصن والغالي عبدالله المرشد.
وكان لمهرجان جيزان، الذي حضرته مساء الأمس، أثرٌ خاص في القلب؛ مهرجان جمع محافظات المنطقة الثلاث عشرة في مكان واحد، على الكورنيش الشمالي بجوار البحر، مشهدٌ بديع تعانق فيه الأدب مع العادات، والتقاليد مع التراث، والأهازيج مع الأغاني، والرقصات الشعبية مع الفرح الصافي.. كل ذلك في لوحةٍ واحدة اسمها : جيزان.
فجازان منطقة تجمع بين حضارةٍ رفيعة جميلة، وأصالةٍ بديعة لا تزال تحتفظ بها في أزيائها، وعطورها، ومأكولاتها. أما الطعام – وقد جئتُ على ذكره – فهم أهل موائد عامرة، يقدمون أجود الأطعمة وألذّها وأكثرها صحةً وعافية، بمكوناتٍ من أرضهم، وبأدبٍ جمّ، وروحٍ لطيفة تُشبههم.
سعدت بهذه الجولة حقاً، ولم أشعر لحظة أنني غريب؛ بل كنت بين أهلي، وبين إخوتي وأخواتي.
فشكراً جيزان..
شكراً لأهلها الطيبين، وشكراً لإمارة المنطقة على هذا الاهتمام والعناية، وشكراً لوزارة السياحة التي مكنت السائح من زيارة هذه المدن والمحافظات، التي تجمع بين الشواطئ الجميلة، والجبال الشاهقة، والأودية، والسهول اللطيفة.. بلدة طيبة وطيّبٌ أهلها.
هي زيارةٌ لن تكون الأولى والأخيرة، بل ستتكرر كثيراً بإذن الله.
شكراً لكل الأحباب هنا ونستودعكم الله.



