مقالات و رأي

الإسراء والمعراج ، نورٌ وسراج

الدكتورة : إيمان حماد الحماد
بنت النور / http://@bentslnoor2005
في ذكرى الإسراء والمعراج تتجدّد المعاني، وتسمو الأرواح، وتُستعاد لحظةٌ من أنقى لحظات الإيمان، حين اصطفى الله نبيَّه ﷺ لرحلةٍ ليست ككلّ الرحلات، ولا تُقاس بمقاييس الأرض، بل تُوزن بميزان السماء.
كانت ليلة الإسراء والمعراج تضميدًا بعد عناء، وتكريمًا بعد ابتلاء؛ جاءت بعد عام الحزن، لتقول إن مع العسر يسرًا، وإن للسماء أبوابًا تُفتح حين تُغلَق أبواب الأرض، وإن الله إذا أحبّ عبدًا رفعه إليه، وإن أثقله الناس أنزله الله منزلةً لا يبلغها سواهم.
أُسري بالنبي ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، في ربطٍ محكمٍ بين المقدسات، وإعلانٍ خالدٍ لوحدة الرسالات، وقدسية المكان، وامتداد العقيدة من مهد الوحي إلى مسرى الأنبياء. ثم عُرج به إلى السماوات العُلا، حيث رأى من آيات ربّه الكبرى، فكان الصعود تشريفًا للنبي، وتعظيمًا للرسالة، وتثبيتًا للقلوب.
وفي المعراج درسٌ عظيم: أن الطريق إلى الله ليس مفروشًا بالراحة، بل ممهورٌ بالصبر، وأن القرب من الله يُنال بالطاعة، لا بالدعوى، وبالصدق لا بالادّعاء. هناك فُرضت الصلاة، لا على الأرض بل في السماء، لتبقى رسالةً واضحة: أن من أراد العلوّ فليلزم السجود، ومن طلب القرب فليحافظ على الصلوات.
والصلاة في الإسراء والمعراج لم تكن تكليفًا مجردًا، بل كانت رحمةً مقنّعة بالأمر، وهبةً مغلّفة بالواجب؛ خمسٌ في الأداء، خمسون في الأجر، ليعلم المؤمن أن الله لا يكلّف عباده إلا ليكرمهم، ولا يأمرهم إلا ليزكّيهم، ولا ينهاهم إلا ليحميهم.
ومن دروس الإسراء والمعراج أن الإيمان ليس تصديق العين وحدها، بل يقين القلب قبل كل شيء؛ فقد تمايزت الصفوف، وثبت الصادقون، وتزلزل المترددون، وبقي الصدّيق رضي الله عنه شاهدًا على أن الإيمان الحق لا يسأل: كيف؟ بل يقول: صدق رسول الله.
إن الإسراء والمعراج مدرسة إيمانية تُعلّمنا أن الألم ليس نهاية الطريق، وأن الضيق قد يكون بوابة الفرج، وأن الانكسار بين يدي الله بداية العزّ الحقيقي. هي رسالة لكل مهموم أن السماء أقرب مما يظن، ولكل مثقل أن الدعاء لا يضيع، ولكل ثابت أن الله لا يخذل من وثق به.
سلامٌ على تلك الليلة التي رفعت قدر الإنسان، وربطت الأرض بالسماء، وجعلت من الصلاة معراج الأرواح، ومن اليقين زاد الطريق، ومن الثبات عنوان النجاة.
وسلامٌ على قلبٍ آمن، إذا ضاقت به الدنيا، تذكّر الإسراء، فاطمأن، وصلّى، وارتقى.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى