مقالات و رأي

قراءة في ديوان «من مثلها» للشاعرة أديم الأنصاري

ليلى القحطاني🦋✍🏻

بين أيديكم قراءة لديوان «من مثلها» للشاعرة أديم الأنصاري، قدّمها الناشط الثقافي وعضو نادي وسم الثقافي محمد الخلفان، يتناول فيها ملامح التجربة الشعرية للديوان، وما يطرحه من رؤية جمالية وإنسانية للأنثى، بلغة نقدية أقرب إلى الذائقة منها إلى التنظير.
قراءة في ديوان «من مثلها» للشاعرة أديم الأنصاري
بقلم: محمد الخلفان
ناشط ثقافي وعضو نادي وسم الثقافي
مساء الشعر والذائقة..
أهدتني الشاعرة الجميلة وابنة نادي وسَم الثقافي — الدكتوره : أديم الأنصاري ديوانها «من مثلها»، ولم أكن أنوي النقد أصلًا، لكن نصوصها استفزّت فيَّ القارئ الذي يحب التورّط.. والتورّط مع أديم تورّط لطيف.
في هذا الديوان تحضر المرأة بوصفها مركزًا للجمال والفضيلة والعاطفة والحكمة؛ لغة شفيفة بلا تعقيد، وصور رائقة بلا استعراض، وموسيقى تتقدّم بثقة دون ضجيج. شعرٌ يُقرأ بعين البوح لا بعين الأكاديمية.
وأكثر ما أعجبني أن النصوص لا تتعالى على قارئها، بل تدعوه إلى الجمال والدفء والاهتمام دون صدمة أو تعسّف. إنه شعر لا يطلب منّا فهمه، بل يطلب منّا الإحساس به.
وأحسب أن أديم في هذا الديوان لا تتقصّد أن تقول: “أنا شاعرة”، بقدر ما تقول: “هذه أنثاي كما أفهمها وأحبّها”، وهذا الصدق هو ما يجعل النصوص أقرب، وما يجعل القارئ شريكًا لا مجرد متلقٍّ. ولعل هذا سرّ الشعر حين يكون أمينًا لنفسه.
ولعلّ من النصوص التي أوقفتني طويلًا كانت قصائد مثل «أُنثي طفلة» و«سرّ السر» و«أفيق» و«عِبق الغرام»، وهي قصائد تُعيد ترتيب الأنثى في المخيّلة بوصفها مصدرًا للدهشة لا موضوعًا لها.
بينما تكشف نصوص أخرى مثل «تباشير الصباح» و«عجيب» و«حلية المجد» عن قدرة أديم على مزج الحنين بالحكمة، والبساطة بالرفعة، دون أن تفقد حرارة البوح أو موسيقاه. ولم يخلُ الديوان من محطّات عاطفية ووطنية مثل «شمس الملوك» و«مهجة الروح (والدي)»، وفيها يظهر البذل والوفاء والانتماء بصورة صادقة لا تكلف فيها ولا ادعاء.
كما يحضر في الديوان خطٌ آخر يشتغل على الذاكرة والأسرة والوفاء، فنقرأ «نورًا المفقود (أبي محمود)» و«شهيد الشباب صالح الشروني»، وفيهما تُجرّب أديم لغة الوداع بكياسة لا تبالغ في النحيب ولا تسرف في البكاء. ثم تأتي «أسري — مرثية لمى الروقي» وقد كُتبت على جرح حادثة مريرة، وفيها تتخفّف الشاعرة من البوح والشجن لتمنح الحدث مكانه في الذاكرة.
وإلى جانب كل ذلك، يتسع الديوان لطبقة ثالثة تلامس الجغرافيا والانتماء والسفر، حيث تظهر مصر في «على ضفاف النيل» و«جنة الكون» بوصفها فضاءً للحياة والدهشة والانطباع الأول، وفيها تكشف أديم عن حساسية الشاعر حين يعبر المدن بعين الشعر لا بعين السائح.
ومن اللافت أن «من مثلها» لا يناور الغموض ولا يستدرج القارئ بمكر الحداثة، بل يلعب على ساحة المكاشفة والبهاء والحنين؛ خيار جمالي نادر في زمن تظن فيه بعض النصوص أن الإبهام قيمة.
أديم هنا لا تُبهِم لتبدو أعمق، بل تُفصح لتبدو أصدق.
وليس غريبًا أن تأتي هذه اللغة من ابنة وشاعرة نادي وسَم؛ ومن بيئة تحب الأدب وتؤمن بالشعر وتحتفي بالموهبة حين تظهر. أديم إحدى النماذج التي تجعل المشهد الثقافي في الخليج أكثر أناقةً وامتلاءً وصدقًا.
في النهاية، هذا الديوان ليس مجرد نصوص، بل دعوة ناعمة لإعادة النظر في الأنثى؛ لا بوصفها موضوعًا للشعر، بل بوصفها مصدر الشعر. وذلك في ذاته سبب كافٍ لكي يُقرأ «من مثلها» مرّتين: مرة بعين الأدب، ومرة بعين القلب.
شكرا للاستاذ محمد لمجهودك فمثل هذه القراءات الجادة تبقى رافدًا مهمًا للحراك الثقافي، إذ تضيء النصوص من زاوية ذائقة واعية، وتمنح العمل الأدبي حياةً أخرى خارج حدود القراءة الفردية. وهي قراءات لا تحتفي بالنص فحسب، بل تحفّز الحوار حوله، وتُسهم في ترسيخ ثقافة التلقي الواعي، وتؤكد أن الأدب حين يُقرأ بمحبة وصدق، يظل قادرًا على البقاء والتأثير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى