مقالات و رأي

 يوم التأسيس السعودي… قصة وطن تمتد جذوره لثلاثة قرون

نايف عمر الصيعري

في الثاني والعشرين من فبراير من كل عام، تحتفل المملكة العربية السعودية بذكرى يوم التأسيس، وهو مناسبة وطنية استثنائية تختلف عن اليوم الوطني. فبينما يحتفل السعوديون باليوم الوطني لتوحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز عام 1932، فإن يوم التأسيس يأتي ليأخذ الجميع في رحلة عبر الزمن لاستذكار جذور هذه الدولة الراسخة التي تمتد لأكثر من ثلاثة قرون. إنه يوم استذكار لملحمة وطنية بدأت في الدرعية عام 1727م على يد الإمام محمد بن سعود، لتشكل نواة لكيان سياسي يحقق الوحدة والاستقرار بعد قرون من التشتت .

لماذا 22 فبراير؟

صدر الأمر الملكي الكريم من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود في 27 يناير 2022، بأن يكون يوم 22 فبراير من كل عام يوماً لذكرى تأسيس الدولة السعودية الأولى، الذي يوافق تاريخ 30 جمادى الآخرة من عام 1139هـ . لم يكن اختيار هذا التاريخ اعتباطياً، بل هو اليوم الذي يُجسد بدء عهد الإمام محمد بن سعود في منتصف عام 1727م، حيث وضع اللبنة الأولى لدولة مترامية الأطراف استمرت في بناء الإنسان ونشر العلم وتعزيز الأمن حتى وقتنا الحاضر .

من الدرعية انطلقت البداية

قصة التأسيس بدأت قبل ذلك بكثير، عندما قدم الأمير مانع بن ربيعة المريدي، الجد الثاني عشر للملك عبدالعزيز، إلى وسط الجزيرة العربية عام 850هـ / 1446م واستقر في منطقة وادي حنيفة، حيث أسس مدينة الدرعية . ظلت الدرعية تنمو وتزدهر تحت حكم أبناء مانع وأحفاده، حتى جاء الدور على الإمام محمد بن سعود. عند توليه الحكم، لم تكن الدرعية موحدة، بل كانت تعاني من الانقسام والضعف. هنا برزت عبقرية الإمام محمد بن سعود، حيث عمل على توحيد شملها وتأمين الاستقرار الداخلي، وحماية طرق الحج والتجارة، وتنظيم الأوضاع الاقتصادية، ليعلن قيام الدولة السعودية الأولى وعاصمتها الدرعية .

الدولة السعودية: قصة استمرار وامتداد

لم تكن الدولة السعودية الأولى مجرد وميض عابر في التاريخ، بل كانت نواة لمراحل دولة متعاقبة. استمرت هذه الدولة حتى عام 1818م، لكنها واجهت تحديات كبرى. وبعد سبع سنوات فقط من سقوطها، تمكن الإمام تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود من استعادة الأمجاد وتأسيس الدولة السعودية الثانية عام 1824م، والتي استمرت حتى عام 1891م . ثم قيض الله الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود ليؤسس الدولة السعودية الثالثة عام 1902م ويوحدها باسم “المملكة العربية السعودية” عام 1932م، ليسير أبناؤه الملوك من بعده على هذا النهج في تعزيز البناء والوحدة .

شعار “يوم بدينا” ورموزه العميقة

تحت شعار “يوم بدينا” ، تحمل الهوية البصرية ليوم التأسيس معاني عميقة تجسد الثقافة السعودية الأصيلة. في منتصف الشعار، تظهر أيقونة رجل يحمل راية، في إشارة إلى بطولات رجال المجتمع السعودي والتفافهم حول راية وطنهم. وتحيط بهذه الأيقونة أربعة رموز أساسية :

· النخلة: رمز النماء والحياة والكرم.
· الصقر: رمز الشهامة والنخوة والعزة والحرية.
· الخيل العربي: رمز الفروسية والبطولة التي اتصف بها أمراء وشجعان الدولة.
· السوق: دليل على الحراك الاقتصادي والتنوع والانفتاح على العالم منذ القدم.

أهداف يوم التأسيس: الاعتزاز بالجذور

يهدف يوم التأسيس إلى تعزيز مجموعة من القيم الوطنية في نفوس السعوديين، وفي مقدمتها الاعتزاز بالجذور الراسخة للدولة السعودية، والارتباط الوثيق بين المواطنين وقادته، والاعتزاز بما أرسته الدولة من وحدة واستقرار وأمن، والاعتزاز بصمودها أمام الأعداء عبر التاريخ، والاعتزاز باستمرارها واستعادتها لقوة جذورها .

الاحتفالات: تراث يجمع الوطن

تتحول مدن المملكة في يوم التأسيس إلى مسرح للفرح والاعتزاز بالهوية. يرتدي الرجال والنساء والأطفال الأزياء التراثية التي تحاكي تلك الحقبة التاريخية، وتنتشر الفعاليات التراثية والفنية والثقافية في المتاحف والطرقات. كما تُقام الأمسيات الشعرية والجلسات الحوارية التي تستحضر أمجاد الماضي. وتحتفل البعثات الدبلوماسية السعودية في الخارج بهذه المناسبة، مما يعكس عمقها الوطني وامتدادها العالمي . وفي هذا العام 2026، يوافق يوم التأسيس يوم الأحد 22 فبراير، ليكون عطلة رسمية في جميع القطاعات، تتيح للجميع المشاركة في الفعاليات الوطنية والبرامج التثقيفية التي تُبرز تاريخ الدولة السعودية الأولى ومراحل تطورها .

الفرق بين يوم التأسيس واليوم الوطني

قد يختلط الأمر على البعض بين هاتين المناسبتين الوطنيتين العظيمتين، إلا أن الفرق بينهما واضح وجوهري. يوم التأسيس في 22 فبراير 1727م هو يوم تأسيس الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود. أما اليوم الوطني في 23 سبتمبر 1932م، فهو يوم إعلان توحيد المملكة العربية السعودية على يد الموحّد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود . الأول يتحدث عن جذور الدولة، والثاني يتحدث عن وحدتها الحديثة.

في الختام، يبقى يوم التأسيس محطة سنوية لاستذكار ملحمة وطنية استمرت ثلاثة قرون، وقصة كفاح وبطولات سطرها الأئمة والملوك والمواطنون، لتبقى راية التوحيد خفاقة، وهذه الدولة شامخة بأبنائها وقادتها.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى