( الاعتذار عن الخطأ سيد الموقف )

إعداد وتقديم : الأستاذ/ عبدالله بن سعود الأحمدي
الإعتذار هو تجسيد لقوة الشخصية ونبل الأخلاق ويمثل ( النور ) الذي يبدد ظلام الأخطاء وسوء الفهم ، مما يعيد بناء الجسور ويوطد العلاقات الإنسانية . إنه إعتراف شجاع بالخطأ ، يمحو آثار التوتر ويشيع التسامح والمحبة ، وهو خيار العظماء الذين يقدسون قيم الإنسانية فوق كبرياء النفس .
والإعتذار ليس مجرد كلمة بل ثقافة تدل على قوة فن وتصحيح الشخصية ويحول لحظات الندم إلى غشراق جديد في العلاقات ويساعد في إنهاء سوء الفهم وإعادة بناء الثقة المكسورة مانعا الأخطاء من تدمير الروابط إلى الأبد بدلا من الأعذار .
ويساعد الإعتذار الصادق تصحيح المسار والسلوك وتجنب تكرار الأخطاء ليكون حسا أخلاقيا رحيما .واعتذار المرء عن خطئه يخرجه من ظلمات العناد وهذه شجاعة وسمو إلى نور الحقيقة والتكامل وهو شيمه لا يتقنها إلا الأقوياء .
والإعتذار عن الخطأ ليس ضعفا ، بل هو شجاعة رفيعة ونور يمحو جفاء القلوب ، مما يجعلك كبيرا بعين من أخطأت بحقه ، ويمثل الإعتذار الصادق تاجا من المروءة والصدق ، ويكسر حاجز الخصام الذي قد يطول ، محولا الخطأ إلى فرصة لإصلاح الود وإيقاظ الأنوار في النفوس .
والاعتذار نور في القلوب إذا صفا ، يكسر الجدار العازل ويستعيد المحبة ، تماما كما تضيئ الشمعة ظلمة الليل
يعتقد الكثيرون أن الإعتذار نقطة ضعف لا يجب إظهارها ، كونها دليل إنكسار وهزيمة لا تليق بهم ، ومن هذا المنطلق فإن أشد المكابرين الرافضين للاعتذار هم من الذين يصنفون أنفسهم كطبقة مثالية لا تخطئ وإن أخطئت فهي سامية لا تعتذر لمن هم دونها مرتبة ، وفي هذا شيئ من صفات الشيطان وهو الكبر والغرور وهذا هو الظلام الذي يطمس على قلب صاحبه فلا يدرك أخطاؤه .
في بعض المجتمعات يعتبر الإعتذار جزءا من مقوماتها وثقافتها الفكرية ‘ فتراهم يزرعون في أطفالهم ثقافة الإعتذار منذ الصغر ، حتى وصل الأمر عندهم حدا جعلهم يقرنون الصفح عن المخطئ ، أو تخفيف العقوبة عن المجرم بالإعتذار، ونجد أنه عندما يكون الخطأ في المجتمعات فإن أول المطالب هو دعوة المخطئ للاعتذار عن خطئه بحق الدولة و المجتمع ، وحتى الأفراد.
كما يعتقد أيضا البعض أن من البشر لا يستحق الاعتذار في حين البعض الآخر لا يتردد بالاعتذار لشخص غريب ، لكنه يجبن عن الإعتذار لقريب أو صديق ، وهذا تناقض صارخ مرده لأحد أمرين : إما إستعلاء وتكبر ، أو يتوقع الطرف الآخر أن يتفهم الموقف ويسامحه .
وبعض الناس لا يعتذر لمن هم دونه لكنه لا يتردد في بذله رخيصا لمن هم فوقه ، او لجهة قوية نافذة يخشى ردة فعلها ، وهذا قمة الضعف ، لأن الخوف كان هو الدافع للاعتذار ، الأمر الذي يمكن تصنيفه بالحالة المرضية أو سوء الفهم .
والإعتذار أحبتي ليس كلمة تقال في زحمة الحديث وتبرير الخطأ ، أو البحث عن مخرج من الورطة التي سببها سلوك ما خاطئ ، والإعتذار يعني الإقتناع بأن هناك خطأ ينبغي تصحيحه وهو ماأوجب الإعتذار وبالتالي فإن نوع الإعتذار لابد وأن يقترن بنوع الخطأ وحجمه ، وعندما نخطئ فنعتذر لا يعني أننا أشخاص سيئون بل جيدون لأننا نحاول إصلاح أخطائنا ، فليس من بشر معصوم عن الخطأ بعد الرسل .
قد تكون نية البعض بالإعتذار صادقة لكن طريقة إعتذارهم ربما تزيد الأمر سوءا ، فتتفاقم المشكلة بدل من حلها ، ومردّ ذلك جهل بثقافة الإعتذار والسلوك الذي ينبغي إتباعة . فالاعتذر هدية تعبر عن تقديرنا وحبنا واحترامنا لمن أخطأنا بحقهم .إعتذر أولا عن الخطأ وبشكل واضح ثم ناقش وبرر في حال دعت الضرورة لذلك.
إعلم أخي القارئ أن هناك خطوات للاعتذار الناجح يلزم مراعاتها وهو سيد الموقف
- تحمل المسئولية وذلك بالإقرار بالخطأ بوضوح دون تقديم تبريرات واهية وعدم القاء اللوم عللى الآخرين .
- التعبير الصريح باستخدام كلمة ( آسف ) أو ( أنا أعتذر ) مباشرة وتجنب التهرب .
- الاعتراف بالضرر وذلك بتفهم مشاعر الطرف الآخر وأظهر إدراكك لحجم الإساءة .
- تقديم الحلول وذلك بإبداء استعدادك لإصلاح الضرر وعدم تكرار الخطأ .
وللإعتذار بحسب الأشخاص له أنواع متعددة يمكن إيجازها بما يلي :-
- اعتذار شكلي أو سطحي وغالبا مايكون رفعا للعتب لكنه غير صادق .
- اعتذار مجاملة : يهدف لمجاملة شخص ما عن خطا بسيط قد لا يستعي الاعتذار أو بهدف لفت الانتباه .
- اعتذار سريع : غالبا مايتم تقديمه فور حدوث الخطأ الذي ربما يكون عارضا او نتيجة سوء فهم وسرعة الاعتذار لا تعني رفعا للعتب .
- اعتذار مجادلة : وهو اعتذار يصاحبه جدل لا يعترف بالخطأ ويسعى لتبريره وربما يكون اعترافا جزئيا بالخطأ أو رفعا للعتب .
- اعتذار المكره : يكون بناء على خشية من سلطة أو قضاء أو أشخاص ذوي نفوذ أو تجنبا لخسارة شخص ما أو تلافي عقوبة.
- إعتذار صريح : هو الإعتذار الواضح الذي لا لبس فيه والناتج عن قناعة المعتذر بخطئه وسعيه لإصلاحه ويركز على كسب ود الآخر .
- إعتذار عام : الاعتذار الواضح يسعى لكسب شعبية وهو الذي تقدمه شخصيات إعتبارية كالزعماء والمسئولين .
كما أن الإعتذار واجب ، فإن قبول الإعتذار أوجب ، لأنه خلق الكرماء والنبلاء وقبول اعتذار المعتذر لا يعني قبولا بالأمر الواقع أو ابتلاعا للإهانة ، بل تسامح وغنصاف وحفظ للود وروابط الأخوة والصداقة وفي حالة الوالدين فإن قبول إعتذار الأبناء هو مساعدة لهم على البر بهما .
إن الله سبحانه وتعالى يريد من الإنسان إذا أخطأ أو قصّر أو أساء بحق الآخرين ، سواء أكان الأخر إبنا أم بنتا أم زوجا أم زوجة أم عما أو عمة أو قريب أو زميلا له في العمل أو في الدراسة ، أو أيا كان موقعه أو عمره حتنى لو كان دونه في الموقع أو الوظيفة ، أن يبادر إلى الإعتذار ممن أخطأ معه ، فلا ينبغي أن يقف أمام إعتذاره أي شيئ ، فالله توعد من يسيئ إلى الآخرين أن لن يقبل توبته حتى يعتذر ممن أساء إليهم أو قصّربحقهم ، وليس خافيا مدى الأثر الإيجابي الذي يتركه الإعتذار .
فالإعتذار ينزع فتيل الغضب عند من أسيئ إليه – ويحتوي توتره – ويبرد قلبه – ويعيد إليه كرامته – ويزيل الحواجز التي أحدثتها الإساءة – ويتدارك به المعتذر مضاعفات الخطأ الذي حصل منه وهو الطريق الذي يبلغ به رضا الله الي قرن توبته على من أخطأ بههذا الإعتذارقال تعالى ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) سورة البقرة آية ( 222)
وورد في الحديث ( أعقل الناس أعذرهم للناس ) وقال الله تعالى في سورة آل عمران الاية ( 133) ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين )
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :☹ ( وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا ) رواه مسلم .
وفي نهاية حديثي أوجه نصيحتي لكل إنسان مسلم يعرف تعاليم دينه وأخلاق الإسلام وآدابه أن يتصف بالعفو والتسامح والاعتذار عن الأخطاء فمن عفا وأصلح فأجره على الله والاعتذار من شيم الرجال ، اخواني من منا لا يخطئ ولكن الخطأ له أحجام مختلفة فخطأ الكبير ليس كخطأ الصغير وقد يترتب على الخطأ الضرر حسب حجمه لذلك لابد أن يكون الإعتذار نصب أعيننا وينبغي زرعه في أطفالنا ويصبح جزء من ثقافتنا فيجب عدم سماع كلام الذين يلوثون الاعتذار بالتكبر والنقص فتتوتر العلاقات وتزداد العدوات لذلك اعتبر الإسلام الإعتذار مظهر قوة وعنوان شجاعة لأن من يفعل ذلك ينتصر على شيطان نفسه ، فلابد أن يكون الاعتذار مقرونا بالعاطفة والمحبة التي تبلسم الجرح الناشئ عن الخطأ وقال الإمام علي رضي الله عنه : في حكمته المشهورة في باب الأخلاق ( أعظم الوزر ، منع قبول العذر )
لذلك تعد الأخطاء ظلاماً يغشي القلوب والعقول ويسبب سوء الفهم، بينما الاعتذار نور يبدد هذا الظلام، كونه شجاعة أدبية، ونبلاً في النفس، واعترافاً صادقاً بالتقصير، مما يعيد بناء
الثقة والمحبة ، والاعتذار ليس ضعفاً بل هو سمة الكبار والعقلاء، ويُصلح ما أفسده الخطأ، ويهدئ النفوس، ويصلح العلاقات الاجتماعية والمهنية.
اللهم اغفر للمعتذرين عن أخطائهم، واقبل توبتهم، واشرح صدورهم، واستر عيوبهم، وألّف بين قلوبهم، واجعلهم من عبادك الصالحين التوابين، وأبدل سيئاتهم حسنات، واغسل قلوبهم من الغل والحقد، وثبتهم على طريق الحق...



