” البقرة وأمراضنا الخفية “
بقلم الكاتب / أحمد القاري
إن جسم الإنسان ساحة معمورة، لم يخلقها الله مهجورة يدخلها كل شيء بلا نظام، ولا هو كتاب كيمياء له “كتالوج” نتقيد به حرفياً! وبين الطب الحديث والروح البشرية مساحة واسعة يتوه فيها العلم والطب والإنس والجان، ويحاول أن يفهم: لماذا يمرض؟ وكيف يشفى؟ وكيف يموت؟
أكتب عن الأمراض المستعصية.. حكايات طويلة من الألم، والرجاء، والقلق، والصبر المخنوق، والأسئلة التي لا تنتهي من (السرطان إلى الجلطات، ومن السكتات الدماغية إلى الخرف، ومن ثنائي القطب إلى الجنون والهذيان) يقف الإنسان أمامها متأملاً: هل هي خلل عضوي بحت؟ أم أن وراءها أبعاداً أعمق لا تُرى بمجهر الطب وبالعين المجردة؟
الطب الحديث، بإنجازاته العظيمة، يرى أن هذه الأمراض ذات أسباب عضوية: طفرات جينية، اضطرابات في الخلايا، انسدادات في الشرايين، أو خلل في الإشارات العصبية، ويقدم لها علاجات متفاوتة، منها ما يطيل العمر، ومنها ما يخفف الألم، ومنها ما يكون مدمراً قاسياً يترك أسوأ الأثر في حياة المريض.
لكن في المقابل لا نتجاهل أن الإنسان روحٌ تتأثر، ونفسٌ تضعف وتقوى، وعالمٌ غيبيّ له أثره الخفي.. ولذا أخفى الله سبحانه وتعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم حقيقة الروح وكنهَها وماهيتها، فقال تعالى (ويسألونكَ عن الروحِ ۖ قلِ الرُّوحُ من أمرِ ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) الإسراء (85)، فإذا مس الروحَ ضرٌ تضررت الأبدان، وإذا تعافت تعافى كل عضو.
ولأن كثيراً من الأسقام تهاجم الإنسان فيستسلم لسطوتها، ويراقب عقارب العمر تمضي بطيئة، وهو ينتظر الخلاص في “الموت” ، ولم يكلف نفسه البحث عن الشفاء بين دفتي المصحف الشريف وفيه يقول الله سبحانه وتعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ” (الإسراء: 82)، وفي سنن النبي عليه الصلاة والسلام وهو الصادق الأمين: (ما أنزَلَ اللهُ داءً إلَّا أنزَلَ له شِفاءً، علمَهُ من علِمه وجهلَه من جهِله) رواه البخاري.
إذن فما سبب الوفيات الكثيرة من الجلطات والكانسر والقولون… إلخ ؟ والجواب في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في الحديث الصحيح: “فناءُ أمتِي بالطعنِ والطاعونِ، قالوا يا رسولَ اللهِ هذا الطعنُ قد عرفناه، فما الطاعونُ؟ قال وخزُ إخوانِكم من الجنِّ وفي كلٍّ شهادةٌ”، وفي رواية: “وخزُ أعدائكم من الجنِّ” فالجن مسلمُهم وكافرهم يؤذون، كما حال هو البشر، منهم الصالحون ومنهم الفاسقون.
وفي هذا السياق، أستحضر العلاج من قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: “عليكم بالبقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة” أي السحرة، في إشارة إلى عظمة سورة البقرة وأثرها في التحصين.
يتضح لنا أن بعض الأسقام لها امتداد روحي أو غيبي، وأن الرقية واللجوء إلى الله ليست أموراً ثانوية، بل جزء مهم من رحلة العلاج.
والناس هنا بين إفراط وتفريط، فريق يختزل الإنسان في جسدٍ فقط، وفريق ينفي الأسباب الطبية تماماً ويُرجع كل شيء إلى الغيب.
والحقيقة.. لا هذا ولا ذاك يكفي وحده، فالقول إن الأطباء “يتبعون كتالوجاً فقط” فيه ظلم، لأن الطب علم تراكمي يقوم على البحث والتجربة، وليس مجرد حفظ نظري.. وفي الوقت نفسه، تجاهل الجانب الروحي للإنسان يجعل العلاج ناقصاً، كمن يسقي نصف الشجرة ويترك النصف الآخر يذبل.
الإنسان حين يمرض، يحتاج إلى طبٍ يعالج الجسد بتشخيص دقيق، ودواء مناسب، ومتابعة علمية، كما يحتاج إلى روحٍ تُحصّن بالذكر، والقرآن، والدعاء، وطمأنينة القلب، وإلى نفسٍ تُرمّم بالأمل، والدعم، والبيئة الصحية.
الرقية الشرعية وقراءة القرآن، وعلى رأسها سورة البقرة، لها أثر عظيم في الطمأنينة والسكينة، وهذا بحد ذاته عامل مهم في تحسين حالة المريض. لكن هذا لا يعني ترك العلاج الطبي، كما لا يعني أن كل مرض سببه تأثير غيبي.
وإلا فلماذا يجد الإنسان مقاومة وصعوبة في قراءة سورة البقرة؟ والجواب لأنها بكل تأكيد حارقة خارقة تؤثر على الطيفيات وغير المحسوسات، ولأنها سورة ذات جلال، أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام بقراءتها لطرد كل روح سيئة، ولفتح كل باب للبركة، فإن “أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة”، سورة جاءت شفاءً وعلاجاً للسحر والسحرة تحديداً في الآية: “وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ”.
المرض قد يكون ابتلاءً، وقد يكون سبباً عضوياً واضحاً، وقد تتداخل فيه النفس والروح والجسد معاً، والعاقل هو من يأخذ بالأسباب كلها دون تعصب، يرفع يده إلى السماء، ويطرق بابَ الطبيب، والبحث عن الشفاء ليس في إغلاق بقية الأبواب، بل الشفاء في ثلاث، كما في حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه: “إن كان في شيءٍ مِن أدويَتِكُم خَيرٌ، ففي شَرطةِ مِحجَمٍ، أو شَربةِ عَسَلٍ، أو لَذعةٍ بنارٍ توافِقُ الدَّاءَ، وما أُحِبُّ أن أكتَويَ” . رواه البخاري.
والحمد لله على كل حال، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.



