الصدى الأدبي

ويبقى جبر الله

بقلم: حفصة عبدالله العطاس

تمر دائرة الحياة، وتتحرك عقارب الساعة، ونمر جميعًا بمواقف لم نكن نتمنى أن نعيشها.

نفرح.

ونحزن.

ونبكي.

ونفقد.

ويبقى جبر الله هو العلاج لنا.

لا أقول لك: لا تحزن.

ولا أقول لك: لا تبكِ.

ولا أقول لك: لا تصرخ.

ابكِ.

واحزن.

واصرخ.

فالحزن على من نحب فطرة، والدموع رحمة أودعها الله في قلوبنا.

لكن يبقى جبر الله هو الملاذ.

ويبقى جبر الله هو الدواء لكل انكسارات الحياة.

قد يصلك هذا المقال، وقد تكون قبل لحظات مسحت دموعك.

وقد تقرؤه وعيناك ما زالتا تذرفان الدموع.

وقد تقع عيناك عليه في ذكرى رحيل شخص كان يعني لك الحياة كلها.

وربما ودعت عزيزًا قبل أيام، وما زلت تبحث عن كلمات تخفف عن قلبك شيئًا من الألم.

إن كنت تقرأ هذه السطور الآن، فأريدك فقط أن تستشعر عظمة جبر الله.

فجبر الله دواء.

وجبر الله علاج.

وجبر الله ملاذ لكل من أُغلقت في وجهه الأبواب، وضاقت عليه الدنيا بما رحبت.

جبر الله…

كلمة حروفها قليلة.

لكن معناها أعظم من أن تصفه الكلمات.

فعندما أقول لك: سيجبر الله قلبك، فأنا لا أقصد أنه سيعيد إليك من فقدت.

ولا أنه سيمحو الذكرى من قلبك.

بل سيمنحك من الصبر، والسكينة، والرضا، ما يجعلك قادرًا على مواصلة الحياة، رغم أن جزءًا منك قد رحل مع من أحببت.

كلما رأيت صفحة سوداء يتصدرها قول الله تعالى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ، أدركت أن هناك قلبًا انكسر ، وأمًّا تبكي ، وأبًا فقد قطعةً من قلبه ، وزوجةً أصبحت تنظر إلى مكان كان يمتلئ بالحياة، فأصبح يمتلئ بالحنين.

ولطالما توقفت عند عبارة قالها أحدهم في وفاة أخيه: “وداعًا… يا من فقدتُ برحيله جزءًا من روحي.”

ولم أجد عبارة تختصر معنى الفقد كما اختصرته هذه الكلمات.

ولعل من أعظم صور جبر الله ما حدث لأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها ، فعندما توفي زوجها أبو سلمة رضي الله عنه، قالت كما علمها رسول الله ﷺ: «اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها.»

وكانت تقول في نفسها: ومن خيرٌ من أبي سلمة؟ ، لكن الله جبر قلبها جبرًا لم تكن تتخيله، فعوضها بخير البشر، رسول الله ﷺ، فكانت زوجًا له وأمًّا للمؤمنين.

فإذا كان الله قد جبر قلب أم سلمة بذلك الجبر العظيم، فثق أن الله قادر على أن يجبر قلبك أنت أيضًا، بالطريقة التي يعلم أنها الخير لك، وفي الوقت الذي يختاره سبحانه.

لكن الحياة، رغم قسوتها، تعلمنا أن الله لا يترك عباده وحدهم.

قد يؤخر الجبر ، لكنه لا يمنعه.

وقد يطول الحزن ، لكنه لا يدوم.

فكم من قلب ظن صاحبه أنه لن يبتسم مرة أخرى، ثم أكرمه الله بسكينة لم يكن يتخيلها.

وكم من إنسان ظن أن الحياة انتهت عند لحظة فراق، ثم اكتشف بعد سنوات أن الله كان يجبره في كل يوم، دون أن يشعر.

ولهذا… إن ضاقت بك الدنيا يومًا ، وشعرت أن الحياة أثقل من أن تُحتمل ، فارفع يديك إلى السماء ، واشْكُ همك إلى الله.

واعلم أن الذي ابتلاك، هو نفسه القادر على أن يجبر قلبك.

فالحياة لا تخلو من الفقد ، ولا تخلو من الابتلاء ، لكنها أيضًا لا تخلو من رحمة الله ، ولا تخلو من لطفه ، ولا تخلو من جبره.

ويبقى جبر الله… أوسع من كل حزن ، وأعظم من كل فراق ، وأرحم من كل دمعة.

فاصبر…

فبعد كل انكسار جبر ، وبعد كل ضيق فرج ، وبعد كل صبرٍ جميل…

عطاء من الله لا يخطر على قلب بشر.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى