المستويات الخمسة للقيادة – كيف تنتقل من إدارة الأشخاص إلى صناعة القادة.
بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي.
أستاذ جامعي سابق ـ مستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.
سبق وأن قرأت كتاب المستويات الخمسة للقيادة للكاتب والخبير في القيادة جون سي. ماكسويل (John C. Maxwell)، وأعود إليه من آنٍ إلى آخر للاطلاع عليه واستحضار أفكاره، خاصة قبل تقديم أي دورات تدريبية في التخطيط والقيادة لأنه في نظري مرجع مهم، ليس فقط لفهم القيادة، بل لفهم كيفية تطور القائد وتأثيره في الآخرين.
يطرح ماكسويل في هذا الكتاب فكرة جوهرية، وهي أن القيادة ليست منصباً إدارياً أو لقباً وظيفياً يمنح صاحبه القدرة على التأثير، وإنما رحلة من التطور والنضج، يمر خلالها القائد بخمسة مستويات متدرجة، وكل مستوى يمثل مرحلة أعمق في بناء الثقة والتأثير وتحقيق النتائج.
و هذه المستويات الخمسة للقيادة هي كالتالي:
1- المستوى الأول: المنصب (Position) وفي هذا المستوى يتبع الناس القائد لأنه يشغل منصباً إدارياً أو يمتلك صلاحية رسمية تخوله توجيههم وإصدار القرارات.
وهنا تكون العلاقة قائمة على السلطة أكثر من القناعة، والموظفون يلتزمون بالتعليمات لأن ذلك جزء من مسؤولياتهم الوظيفية، وليس بالضرورة لأنهم يؤمنون بالقائد أو يتأثرون به.
وهذا المستوى هو نقطة البداية الطبيعية لأي قائد، لكنه لا ينبغي أن يكون نقطة النهاية فالمنصب يمنحك الحق في الإدارة، لكنه لا يمنحك بالضرورة احترام الآخرين أو ولاءهم.
المستوى الثاني: الاستئذان والعلاقات (Permission)
وفي هذا المستوى لا يتبعك الناس لأنك مديرهم بل لأنهم يرغبون في العمل معك.
إذ يبدأ القائد ببناء علاقات إنسانية قائمة على الاحترام والثقة والتواصل والاهتمام بالآخرين، ويصبح أكثر استماعاً لفريقه، وأكثر تفهماً لاحتياجاتهم ودوافعهم وتطلعاتهم.
ويدرك القائد هنا أن الناس ليسوا مجرد موارد بشرية أو أدوات لتنفيذ المهام، بل هم شركاء في النجاح، وأن العلاقات الجيدة تشكل أساساً متيناً للتأثير.
فالقيادة الحقيقية هنا تبدأ عندما ينتقل الناس من تنفيذ توجيهاتك بحكم المنصب إلى التعاون معك عن قناعة.
المستوى الثالث: الإنتاج والإنجاز (Production)
في هذا المستوى ينتقل القائد من بناء العلاقات إلى تحقيق النتائج الملموسة.
وهنا القائد لا يكتفي بأن يكون محبوباً أو أن يتمتع بعلاقات جيدة مع فريقه، وإنما يعمل على تثبيت قدرته على الإنجاز وتحقيق الأهداف، وحل المشكلات، ورفع مستوى الأداء والإنتاجية.
ويصبح نجاح القائد واضحاً من خلال نتائج الفريق، وليس من خلال جهوده الشخصية فقط.
كما أن الإنجازات تعزز ثقة الآخرين به؛ لأنهم يرون أثر قيادته على أرض الواقع، ويشعرون بأن العمل معه يحقق قيمة حقيقية.
في هذا المستوى لا يتحدث القائد كثيراً عن النجاح، بل يجعل النتائج تتحدث عنه.
المستوى الرابع: تنمية الآخرين (People Development)
هنا تحدث النقلة النوعية في مسيرة القائد المتميز إذ لا يعود تركيزه منصباً على تحقيق النتائج فقط، بل يتجه إلى صناعة أشخاص قادرين على تحقيق النتائج بأنفسهم.. إذ يعمل على بناء قادة من جيل جديد..
فيعمل القائد على اكتشاف المواهب، وتطوير القدرات، وتفويض المسؤوليات، وتوفير فرص التعلم والنمو، وإعداد قيادات جديدة تستطيع تحمل المسؤولية واتخاذ القرار.
فالقائد الناجح لا يخشى أن يكون في فريقه أشخاص متميزون قد يتفوقون عليه في بعض المجالات، بل يعتبر ذلك دليلاً على نجاحه.
وفي هذا المستوى يصبح الاستثمار في الإنسان جزءاً أساسياً من استراتيجية القيادة، لأن بناء القادة يضمن استمرارية الإنجاز حتى في غياب القائد نفسه.
فالقائد الحقيقي لا يصنع أتباعاً يعتمدون عليه، بل يصنع قادة يستطيعون القيادة من بعده.
المستوى الخامس: القمة والقدوة (Pinnacle)
يمثل هذا المستوى الفريد أعلى درجات القيادة، ولا يصل إليه إلا عدد قليل من القادة لأنه يتطلب سنوات طويلة من الإنجاز، وبناء العلاقات، وتطوير الآخرين، والمحافظة على أثر قيادي مستدام.
في هذا المستوى يصبح القائد قدوة ومصدر إلهام للآخرين، ويتجاوز تأثيره فريق العمل أو المؤسسة التي يقودها، ليصل إلى قيادات أخرى ومجتمعات أوسع.
لا تقتصر قيمته على ما حققه بنفسه، بل تمتد إلى القادة الذين ساهم في إعدادهم، والثقافة القيادية التي أسهم في ترسيخها، والأثر الذي يتركه بعد انتهاء دوره الرسمي.
إنه المستوى الذي تتحول فيه القيادة من ممارسة وظيفية إلى إرث مؤسساتي وإنساني.
فالقائد في القمة لا يُقاس فقط بما أنجزه، بل بما تركه من أثر، وبعدد القادة الذين ساهم في صناعتهم.
وعندما نتأمل في مستويات القيادة نسأل أنفسنا: ماذا نتعلم من هذه المستويات الخمسة؟
وبالتأكيد فمن خلال هذه المستويات، يقدم جون ماكسويل مجموعة من الرسائل المهمة لكل من يتولى مسؤولية قيادية، أبرزها:
1. المنصب لا يصنع قائداً: فالقيادة الحقيقية تُكتسب بالممارسة والسلوك والمصداقية.
2. العلاقات تسبق التأثير: لا يمكنك قيادة الناس بفاعلية دون بناء الثقة والاحترام المتبادل.
3. النتائج تعزز المصداقية: فالقائد مطالب بتحويل الرؤية والخطط إلى إنجازات ملموسة.
4. تطوير الآخرين مسؤولية قيادية: لا ينبغي أن ينحصر دور القائد في إدارة الأداء، بل يمتد إلى تنمية الكفاءات وإعداد الصف الثاني.
5. الإرث الحقيقي هو صناعة القادة: فالنجاح القيادي المستدام لا يعتمد على وجود شخص واحد، وإنما على وجود منظومة من القادة القادرين على مواصلة المسيرة.
ما يعجبني في هذا الكتاب أنه يجعلنا نعيد النظر في مفهوم القيادة؛ فليس السؤال الأهم: ما المنصب الذي أشغله؟ أو كم شخصاً يعمل تحت إدارتي؟ بل السؤال الأهم: ما حجم تأثيري في الآخرين؟ وهل أساعدهم على النمو الوظيفي والتطور المطلوب في إنجاز أعمالهم؟ وهل أترك خلفي فريقاً أكثر قدرة وكفاءة مما كان عليه قبل أن أتولى قيادته؟
ومن المهم أن ندرك أن المستويات الخمسة ليست مجرد درجات وظيفية نصعدها، بل هي مستويات من النضج والسلوك القيادي، وقد يمارس القائد أكثر من مستوى في الوقت نفسه مع أشخاص أو فرق مختلفة.
وفي رأي ، فإن أعظم نجاح يمكن أن يحققه القائد ليس أن يصبح شخصاً لا يمكن الاستغناء عنه، بل أن يبني فريقاً ومؤسسة قادرين على النجاح والتطور حتى في غيابه.
فالمدير يدير العمل، والقائد يؤثر في الناس، أما القائد الإستراتيجي الاستثنائي فيصنع قادة قادرين على صناعة المستقبل.



