مشاريع السعودية: قصة نجاح كُتبت بمؤشرات الأداء لا بالشعارات.

بقلم / البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ جامعي سابق في علوم البيولوجي
مستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة
سألني أحد المتدربين ذات مرة عن الخطط الإستراتيجية لرؤية المملكة العربية السعودية، وكيف انتقلت من وثائق تخطيط طموحة إلى مشاريع واقعية، وما الآليات التي ضمنت تنفيذ أهداف هذه الخطط وقياس مؤشرات الأداء للمبادرات المختلفة، والأهم !!؟ كيف تحولت الرؤية إلى قصة نجاح ملموسة يلمسها المواطن والمقيم.

لم يكن السؤال تقنياً بقدر ما كان جوهرياً إذ أنه يعكس تساؤلاً مشروعاً يتردد لدى كثير من المهتمين بالإدارة والقيادة: هل تكفي الرؤى الطموحة لصناعة التحول؟؟ أم أن النجاح الحقيقي يكمن في القدرة على التنفيذ المنضبط والقياس الدقيق للأداء؟ ومن هنا تبدأ قصة مشاريع السعودية التي قدّمت نموذجاً مختلفاً في التخطيط الإستراتيجي ، نموذجاً قائماً على وضوح الأهداف، وربطها بمؤشرات أداء قابلة للقياس، وتحويلها إلى نتائج عملية تُدار بالعقل والمنهج لا بالشعارات
لم يعد الحديث عن التخطيط الإستراتيجي في عالم الإدارة والتنمية مجرد تنظير أكاديمي أو شعارات طموحة، بل أصبح معياراً عملياً يُقاس بالنتائج.
وتُعد مشاريع السعودية ضمن رؤية 2030 نموذجاً بارزاً ومحور للتساؤل لكيف يمكن للرؤية الطموحة، حين تُدار بمنهجية تنفيذ دقيقة ومؤشرات أداء واضحة، أن تتحول إلى واقع ملموس ينعكس على الإقتصاد والمجتمع معاً.
منذ انطلاق الرؤية، لم تكتف المملكة العربية السعودية بوضع أهداف عامة أو أمنيات مستقبلية، بل اعتمدت نهجاً مؤسسياً يقوم على ربط كل هدف إستراتيجي ببرامج تنفيذية محددة، ومبادرات واضحة، وجهات مسؤولة، وأطر زمنية دقيقة.. لذلك فإن هذا الربط بين الرؤية والتنفيذ شكّل حجر الأساس لنجاح مشاريع التحول الوطني.. ولنفصل قليلاً سر هذا النجاح كالتالي :-
1-مؤشرات الأداء: من الطموح إلى القياس…
فأحد أبرز عناصر قوة مشاريع السعودية يتمثل في الإعتماد المنهجي على مؤشرات الأداء الرئيسية (KPIs). فبدل الإكتفاء بوصف النجاح بشكل إنشائي، تم تحويل الأهداف إلى أرقام قابلة للقياس والمتابعة سواء في تنويع الإقتصاد، أو جودة الحياة، أو التحول الرقمي، أو كفاءة الإنفاق، وأصبح لكل محور مؤشرات واضحة تجيب عن سؤال مهم وجوهري هل نحن نتقدم فعلياً أم لا؟؟
هذا النهج نقل الإدارة من مرحلة إدارة الإنطباعات إلى مرحلة إدارة الحقائق .. فالمؤشرات لم تكن مجرد أدوات عرض للإنجازات، بل آليات تشخيص مبكر للتحديات، وأدوات لتصحيح المسار وإعادة ترتيب الأولويات عند الحاجة إلى ذلك .. أو للتحسين المستمر.
2-التنفيذ الإستراتيجي: من الخطة إلى الأثر..
وهنا التجارب الدولية تُظهر أن التحدي الأكبر لا يكمن في صياغة الإستراتيجيات، بل في تنفيذها. وما يميز مشاريع مملكتنا العربية السعودية هو التعامل مع التنفيذ بوصفه أداة إستراتيجية قائمة بذاتها، لا مجرد مرحلة لاحقة للتخطيط.
وقد تحقق ذلك من خلال:-
أ• وضوح الأدوار والمسؤوليات بين الجهات التنفيذية.
ب• وجود هياكل حوكمة تتابع الأداء بشكل دوري.
ج• ربط الأداء المؤسسي والفردي بمستهدفات الرؤية.
د• الإعتماد على البيانات في إتخاذ القرار بدل الإجتهادات الفردية.
وهذا التكامل بين التخطيط والتنفيذ جعل الإستراتيجية جزءاً من الممارسة اليومية للمؤسسات، لا وثيقة محفوظة في الأدراج.
3-المرونة الإستراتيجية والمراجعة المستمرة..
على الرغم من وضوح الأهداف، لم تكن مشاريع الرؤية جامدة أو معزولة عن المتغيرات بل اتسمت بدرجة عالية من المرونة الإستراتيجية، حيث أُعيدت مراجعة بعض البرامج والمستهدفات إستجابة للمتغيرات الإقتصادية العالمية، دون الإخلال بالمسار العام.
وهنا يبرز دور المراجعة الإستراتيجية المرتبطة بمؤشرات الأداء، التي تسمح بتعديل الخطط، وإعادة توجيه الموارد، وتعظيم الأثر، والتي يحقق لها الفعالية والنجاح بدلاً من الإستمرار في مسارات أقل فاعلية.
وبكل صراحة فإن تجربة مشاريع السعودية تعطي دروس في التخطيط الإستراتيجي القيادي
إذ تقدّم تجربة مشاريع السعودية جملة من الدروس المهمة للقادة وصنّاع القرار ومن أبرزها:-
1. أن الرؤية الطموحة لا تكفي ما لم تُترجم إلى أهداف قابلة للقياس.
2. مؤشرات الأداء أدوات تعلم وتحسين، لا أدوات رقابة فقط.
3. التنفيذ الإستراتيجي يحتاج قيادة واعية ومنضبطة.
4. المراجعة الدورية شرط أساسي للإستدامة والنجاح طويل المدى..
وخلاصة القول يجدر بنا أن نقول
بإن ما تحقق في مشاريع السعودية يؤكد أن النجاح الحقيقي في الإدارة الإستراتيجية يقوم على ثلاثية مترابطة: رؤية واضحة، تنفيذ منضبط، وقياس دقيق للأداء. وهي تجربة تثبت أن المستقبل لا يُبنى بالشعارات ولا بالتنبؤ، بل بالتخطيط الواعي، والتنفيذ الجاد، والقياس المستمر.



